يخشى أن يكون هذا التحول في العراق سبباً في طرح مفاهيم ثقافية مستوردة لا تتناسب مع ثقافتنا الإسلامية الأصيلة، ثم الترويج لها من أجل مسخ شخصيتنا، واكتساح هويتنا ـ كمسلمين متدينين ـ في جملة الضغوط التي يواجهها الدِّين والإسلام في الظروف الراهنة.
ونحن وإن كنا على قناعة تامَّة بأن تجذُّر المفاهيم الإسلامية في هذا البلد العريق، وحيوية الثقافة الدينية فيه، وفاعليتها، تمنع من ذلك، خصوصاً بعد فشل تلك الطروحات في إصلاح الوضع العالمي، وظهور سلبياتها الكثيرة ومضاعفاتها الخطيرة في المجتمعات التي حاولوا تطبيقها فيها.
إلا أن ذلك لا يعني أن نقف أمام ذلك مكتوفي الأيدي، وفي موقف المتفرج، بل يعني رفع معنوياتنا، وزرع الثقة في نفوسنا بالانتصار في هذا الصراع المنتظر، مع التشمير عن ساعد الجد والجهاد، وسلوك السبل الكفيلة بالحفاظ على مفاهيمنا وثقافتنا.
وتتوجه المسؤولية المباشرة في ذلك على الطبقة المثقفة الواعية، وخصوصاً التربويين، حيث يجب عليهم دراسة المفاهيم الإسلامية الأصيلة، والإطلاع على الثقافة الدينية، ثم طرحها وترويجها والدعوة لها، والاهتمام بتثقيف الجيل الناشئ بها، وزرع الثقة في نفوسهم بأصالتها ونقائها.
نعم، على الجميع أن يعرفوا عظم المسؤولية التي يتحمَّلونها ازاء دينهم وتعاليمهم، حيث يلزمهم أخذ المفاهيم الدينية من مصادرها الأصيلة، من الكتاب المجيد، وأحاديث النبي وأهل بيته الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين)، بتفهُّم وتبصرُّ، وعرضها بحدودها الحقيقية، وبأمانة وإخلاص، بعيداً عن التحريف والتحوير والتمييع، وتبنّيها بفخر واعتزاز، وبمعنويات عالية بعيدة عن الانهزام والخجل والاعتذار.
وقد قام كثير من الكتاب والمتحدثين بعرض كثير من مفاهيم الإسلام وطروحاته لأوضاع الإنسان ومشاكل الحياة بتشذيب وتحوير، قد يصل حد المسخ والتشويه، لتتناسب مع الطروحات المعاصرة التي تتبناها أو تدعيها القوى العالمية الفاعلة.
بل قد يصل الأمر بهم إلى إنكار بعض المفاهيم والطروحات الإسلامية، وتجريد الدين منها، من أجل مناقضتها مع تلك الطروحات والمفاهيم.
وذلك يكشف في الحقيقة عن الروح الانهزامية التي يحملها أولئك النفر أمام طروحات العصر، إما للانبهار بها، أو للتعامل معها كحقيقة قائمة، وواقع مفروض لابد من الاعتراف به، والاستسلام له، والتعايش معه.
وإلا فمن الظلم للحقيقة وللإسلام ـ الذي هو دين الله تعالى الخالد وكلمته الباقية ـ إخضاعه لمسلَّمات الأوضاع المعاصرة التي تنامت في أحضان مجتمعات كافرة متحللة.
وقد أطلق كثير منها كشعارات فارغة برَّاقة، أريد بها تلميع الوجه البشع لتلك المجتمعات، من أجل تمرير المخططات المشبوهة، من دون أن تنزل بجدية للواقع العملي لتلك المجتمعات التي جنت منها البشرية ومن أوضاعها القائمة أفدح الخسائر في مُثُلِها وأخلاقياتها، وأشد المتاعب والكوارث في تعايشها ومسيرتها، وإذا كان في بعض القضايا الدينية والمفاهيم الإسلامية نحو من التعقّد و الغموض، أو كان يبدو فيه بعض السلبيات والفجوات، فمن الممكن الحوار مع بعض رجال الحوزة العلمية من ذوي المستوى الرفيع في العلم والاستقامة من أجل استيضاح الحقيقة، والدخول في أعماق المشكلة ومعالجتها.
بل اللازم ـ خصوصاً في الظروف الراهنة ـ مدّ الجسور وتوثيق الارتباط، واستمرار الحوار بين الطبقة المثقفة الحريصة على دينها ومُثُلها ورجال الحوزة العلمية، من أجل التنسيق والتعاون في هذا الجانب، والارتفاع في مستوى الإنتاج، وتحصيل أفضل الثمرات وأزكاها.
وإذا علم الله سبحانه وتعالى حسن النية من الأطراف المعنيّة كان في عونها، وكلل سعيها بالنجاح والفلاح وهو المسدد للحسنات.
قد منَّ الله سبحانه تعالى على الأمة بجعل أهل البيت (صوات الله عليهم) مرجعاً لها في دينها، وولاة لأمرها.وقد وفق الله تعالى هذه الطائفة ـ أعزَّ الله شأنها ـ لقبول ذلك، والعمل عليه، والتمسك بأهل البيت (عليهم السلام) والإئتمام بهم، والأخذ منهم، والسير على خطهم ونهجهم.
وقد بقي الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) مع شيعتهم ما يزيد على ثلاثة قرون، يواصلونهم، ويقيمون معهم معالم دينهم في العقائد، والفقه، والسلوك.
ولم يفارق الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) شيعته بغيبته الكبرى، حتى كان لهم من تراث أهل البيت الذي حفظه حملة الحديث مما تتضح به تلك المعالم، وتقوم به الحجة من الله تعالى عليهم وعلى الناس عامة.
وبعناية الله تعالى ورعاية إمام العصر (صلوات الله عليه) بقي حَمَلَة ذلك التراث الضخم من العلماء المأمونين يأخذونه ممن سبقهم، ويؤدّونه إلى من بعدهم، في حلقات متواصلة، جيلاً بعد جيل، لتقوم بهم الحجة في جميع العصور.
ومن ثَمَّ أرجع هو (عجل الله فرجه) وآباؤه (صلوات الله عليهم) من قبل الشيعة لعلمائهم، وأمروهم بالأخذ عنهم، ولا زالت المعالم واضحة، والحجة قائمة، بحمد الله تعالى.
غير أن هناك محاولات لحرف هذه الطائفة عن مسيرها بطروحات مستجدة، يراد تمريرها باسم الدين، وتبريرها بأنها تناسب المرحلة التي نعيشها، أو بأنها ناشئة عن فهم عصري للدين، أو نحو ذلك من الدعاوى والمبررّات.
وربما تنشط هذه المحاولات في وضع العراق الراهن، نتيجة الانفتاح الموعود به، خصوصاً مع ما تملكه من وسائل الإعلام والدعاية والإغراء، وما ربما تحصل عليه من الدعم من بعض الجهات.
وعلى المؤمنين ـ سددهم الله تعالى ـ أن يعرفوا أن الدين مسؤولية عظمى من الله تعالى يجب الخروج عنها ببصيرة تامة وأدلة معذّرة، وذلك بالرجوع إلى مصادر الدين الأصيلة التي أقام الله بها الحجة على العباد.
ولا يكفي في ذلك العواطف والانفعاليات، ولا العبارات المنمَّقة، والتبريرات المزخرفة التي لا تستند إلى ركن وثيق.
وقد ورد عن أهل البيت (عليهم السلام): «أن من أخذ دينه من أفواه الرجال صرفته الرجال، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنة لم يصرفه شيء» (1) .
ولا نعرف وجهة أهل البيت (عليهم السلام) في المواضيع المختلفة التي تطرح في الساحة إلا من أحاديثهم (عليهم السلام) التي هي في المتناول، خصوصاً في هذه الأيام، حيث طبعت كتب الحديث الشيعية، وانتشرت بصورة واسعة.
ومن لا يتيسر له الرجوع إليها فعليه أن يسأل عنها من يَتحلَّى بالأمانة والورع والمعرفة، ليأخذ منه مضامينها في المواضيع التي يراد معرفة الحقيقة فيها. ولا يكتفي بآراء الرجال وتفسيراتهم للدين، أو لخط أهل البيت (عليهم السلام) من دون أن تستند إلى أحاديثم وسيرتهم.
بل ليس من المقبول منطقياً أن يترك الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) شيعته ويغيب عنهم غيبة يتوقع طول أمدها ـ كما يظهر من أحاديثهم (عليهم السلام) ـ من دون أو يوضح لهم معالم دينهم، بل يتركهم لتفسيرات الرجال واجتهاداتهم المختلفة التي لا ضابط لها، ولا تقف عند حد.
___________________
(1) انظر روضة الواعظين / 22
هذا، ومع غض النظر عن كل ذلك فحقيق بشيعة أهل البيت (عليهم السلام) (وفقهم الله تعالى) ـ وخصوصاً المثقفين منهم وذوي
المعرفة ـ أن يتواصلوا مع التراث الرفيع الذي تركه أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم) لهم، وحفظه علماؤنا المخلصون (جزاهم الله خير جزاء المحسنين) عبر العصور الطويلة والمحن العسيرة، وليتعرفوا على عظمة ذلك التراث، وينهلوا من نميره، ويهتدوا به في ظلمات الفتن ودياجي الشبهات التي يعيشها العالم اليوم، لتزكوا بذلك نفوسهم، وتتكامل شخصيتهم، وتستقيم مسيرتهم.
وليشكروا الله تعالى على نعمته عليهم وما فضلهم به على العالمين، وإن من تمام شكر النعمة الانتفاع بها.
وقد ورد في الحديث «أن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يظهرأثرها عليه» (1) .
و ((الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله)) .
_____________________
(1) انظر مستدرك الوسائل 3 / 236