أن النظام السابق بسلبياته الكثيرة، وجرائمه البشعة، ومدَّته الطويلة، قد أفرز سلبيات كثيرة، وخلّف تركة ثقيلة، في هذا البلد المنكوب، جديرٌ بأهله العزيزين علينا أن يحسنوا التصرف إزاءها. ومن أهمِّها الثارات السابقة والحقوق المهتضمة.
ونحن نحبذ استئناف صفحة جديدة تبتني على غض النظر عما حصل سابقا، وتناسي الماضي البغيض، كما قال الله سبحانه: ((وَلَمن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُور)) (الشورى /43)
وقال تعالى: ((وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ)) (النور /22)
قال جل شأنه: ((وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)) (البقرة /237)
وفي الله تعالى عزاء عن كل هالك، وخلف من كل فائت، وعوض عن كل تالف، وهو أقدر على مجازاة الظالم، والثأر للمظلوم في الدنيا والآخرة، ((وإِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ.))
ومن لم تطاوعه نفسه على ذلك، وأصرَّ على استرجاع حقه، أو الأخذ بثأره، فعليه أن يتلبث قليلاً وينتظر، حتى تستقر الأمور، وتهدأ النفوس، ويستحكم النظام، ليتسنّى له ما يريد بالطرق الطبيعية.
والحذر كل الحذر من تعجل الأمور قبل أوانها، ومسارعة كل شخص لما يريد، خوفاً من ردود الفعل السيئة والمضاعفات الخطيرة، التي قد تجر إلى فتنة عمياء، لا أول لها ولا آخر، تخل بالنظام العام، ويستغلها الأعداء والطامعون، الذين يتربصون الدوائر بهذا البلد المنكوب وأهله المنهكين، ويريدون بهم كل شر. وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أسد حطوم خير من سلطان غشوم، وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم» (1) . وكفى به (صوات الله عليه) إماماً نتبع أثره، ونهتدي بهداه.
________________________
العراق ـ ككثير من البلاد ـ قد جمع طوائف مختلفة في الدين والمذهب والقوميات وغير ذلك من الانتماءات. وهذا أمر واقع فرض نفسه علينا يجب الاعتراف به، والتعايش معه بالحكمة وحسن التصرف، بنحو يجنب الجميع المشاكل والمضاعفات الخطيرة التي تفرزها الخلافات والمشاحنات.
ومهما بلغ الخلاف بين الفئات والطوائف المذكورة شدّةً وحدّة فليس من الحكمة إلغاء بعضها لبعض وتجاهلها، والتعدّي عليها وهضم حقها، لأن ذلك:
(أولا): ظلم للحقيقة.
(وثانيا): سبب لتعصب الطرف الذي يُتَجاهل ـ مهما كان ضعيفاً ـ لواقعه، وتمسّكه به، والاستجابة لدعوات التطرُّف، بنحو يزيد من شقّة الخلاف، ويمنع من فرص التلاقي والتقارب والحوار.
(وثالثاً): يؤدّي إلى تأجج العواطف، واستحكام العداء والحقد، بنحو قد ينفجرعن صراع دموي، وفتنة عارمة تضر بالجميع، وتدمر البلد وتفتت وحدته.
(ورابعاً): يكون ثغرة ينفذ منها الأعداء الذي يتربصون بنا الدوائر، والنفعيون الذي يعيشون في المستنقعات، ويتصيدون في الماء العكر. وكفى بتجربة الماضي القريب وما جرت على هذا البلد من مآس ودمار عبرة يستفيد منها اهله في تنظيم أمورهم وتصحيح أوضاعهم.
بل اللازم على أهل البلد الواحد الاعتراف بواقعهم الذي يعيشونه، والتكيّف معه بالاحترام المتبادل بين الجميع، وحسن المخالطة والمعاشرة، وإعطاء كل ذي حق حقه، ومراعاة شعوره، وتجنب الاحتكاك المثير للعواطف، والجارح للشعور.
ولنا في سيرة أئمتنا (عليهم السلام) وتعاليمهم خير مرشد، نستضيء به في مسيرتنا، ونعالج به مشاكلنا.
ففي حديث معاوية بن وهب ـ من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) ـ قال: قلت له: «كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا، وفيما بيننا وبين خلطائنا ممن ليسوا على أمرنا؟
فقال: تنظرون إلى أئمتكم الذين تقتدون بهم، فتصنعون ما يصنعون. فوالله إنهم ليعودون مرضاهم، ويشهدون جنائزهم، ويقيمون الشهادة لهم وعليهم، ويؤدون الأمانة إليهم» (1) .
وفي حديث مرازم: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «عليكم بالصلاة في المساجد، وحسن الجوار للناس، وإقامة الشهادة، وحضور الجنائز. إنه لابد لكم من الناس. إن أحداً لا يستغني عن الناس حياته. والناس لابد لبعضهم من بعض» (2) .
والأحاديث في ذلك كثيرة جداً لا يسعنا استقصاؤها.
_______________________
(1) و (2) الكافي 2 / 635.
على أن أكبر طائفتين في هذا البلد ـ الشيعة والسنة ـ بينهما من الأصول المشتركة في الدين والعقيدة ما يلزم باحترام المال والدم، ولهما من الأهداف المشتركة ـ في الدعوة إلى الله تعالى، ورفع كلمة الإسلام، ودفع کد الأعداء عنه، وغير ذلك ـ ما يلزمهما بتوحيد كلمتهما، وتناسي خلافاتهما، والتعاون الجدي بينهما من أجلها، خصوصاً في هذه الظروف الحرجة التي يمرُّ بها الإسلام والمسلمون.
وعلى أهل التعقل والإخلاص منهما سلوك الطرق العقلانية في التعايش والتحاور والتعاون. والحديث في ذلك طويل لا يسعنا استيفاؤه في هذه العجالة.
لكن سبق أن كتبنا الكثيرعنه في كتابنا (المرجعية الدينية وقضايا أخرى) وكتابنا (في رحاب العقيدة) . ويحسن الرجوع إليهما من أجل التعرف على وجهة نظرنا.
ونحن على قناعة تامة بأن أهل التعقل والإنصاف من كلتا الطائفتين، بل من جميع فرق المسلمين، يوافقوننا فيما ذكرناه هناك.
وذلك يجري في أكثر الانتماءات الأخرى العرقية وغيرها، لاشتراك الأغلبية العظمى بهذا البلد العريق في هذا الدين العظيم، فيجب عليهم تخفيف حدة الخلاف من أجله، وتوحيد كلمتهم لخدمته.
ونرى في ختام الحديث عن ذلك أن نذكر:
بأنه ليس من الطائفية تمسك كل فئة بما تختص به من عقائد وممارسات وشعائر، والتزامها بذلك، بل هو عبارة أخرى عن الالتزام بالدين وتطبيقه عملياً والتفاعل معه، وهو ما يريده
الله عز وجل من أهل دينه ويؤكد عليه: ((وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)) (الحج / 32)
وإنما الطائفية الممقوتة هي التعدي على الآخرين، وهضم حقوقهم، ومنعهم من ممارساتهم، وخنق حرياتهم فيها.
وكذلك الحال في التعصب العرقي أو غيره، فإنه لا يكون بحب الإنسان لقومه واهتمامه بصالحهم، وسعيه لخيرهم، بل التعصب الممقوت إنما يكون بالتعدي على الآخرين وهضم حقهم.
وفي حديث الزهري قال: سئل علي بن الحسين (عليه السلام) عن العصبية فقال: «العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية ان يحب الرجل قومه، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم » (1) .
من المتوقع في العراق في ظل الظروف الراهنة تباين وجهات النظر، وظهور الدعوات المختلفة، والتيارات المتناقضة، والصراعات الحادة.وقد ظهرت فعلاً بوادر ذلك وشواهده.
فاللازم على كل طرف احترام وجهة نظر الآخرين، والتعامل معها بعقلانية وحكمة، والاعتماد في الحوار على المنطق الهادئ الرصين، وتجنب العنف والتهريج في ردّ وجهة النظر التي يتبناها بعض الأطراف، حتى لو فرض سوء الظن بوجهة النظر وبأصحابها والدافعين إليها، حذراً من ردود الفعل السيئة والمضاعفات الخطيرة، التي يصعب احتواؤها أو يتعذر.
_______________________
وفي حديث زرارة عن أبي جعفر الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلًم): إن الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه » (1) .
وأولى من ذلك الحذر من الاصطدام واللجوء للقوة، خوفا من فتنة تدوم تحرق الأخضر واليابس، وتدمر هذا البلد المنهوك.
والله سبحانه وتعالى هو الساتر الدافع عن بلاده وعباده، وهو أرحم الراحمين.
أن من السمات البارزة في نظام الطغيان السباق الاستهانة بالدماء، وانتهاك حرمتها، وقد ألف الناس ذلك بطول المدة، حتى خف وقعه عليهم. وربما استهان كثير منهم به، ولو من حيث لا يشعرون. مع عظيم حرمة الدماء عند الله تعالى، وتشديده في العقاب عليها.
قال عز من قائل: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا)) (النساء/92)
________________
وقال سبحانه: ((وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)) (النساء/93)
وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلًم) أنه قال: «والذي بعثني بالحق لو أن أهل السماء والأرض شركوا في دم مسلم ورضوا به لأكبهم الله على مناخرهم (وجوههم) في النار» (1) .
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر حين ولاّه مصر: «وإياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شيء أدعى لنقمة، ولا أعظم لتبعة، ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة، من سفك الدماء بغير حقها. والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة» (2) .
وفي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «من أعان على مؤمن بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله» (3) .
___________________
(1) الكافي 7/272
(3) الكافي 2/368
والآيات الكريمة والأحاديث الشريفة عن النبي والأئمة من آله صلوات الله عليهم أجمعين في ذلك أكثر من أن تحصى. وعليه إجماع المسلمين، بل هو أمر وجداني إنساني عام، لا يخرج عنه إلا مجرم أو معقد أو متوحش.
فعلى الناس عامة أن ينتبهوا لذلك، ويتجردوا عن مخلفات الماضي البغيض، ويحذروا من التورط في الدماء بقول أو فعل، ويتورعوا في أمرها، ويتوقفوا عند حدود الله تعالى، وإلاّ تعرضوا لنقمته، وعظيم عقابه في الدنيا والآخرة.