|
بسم
الله
الرحمن
الرحيم
الحمد لله على
هدايته لدينه، والتوفيق لما دعا
إليه من سبيله، والصلاة والسلام
على أشرف بريَّته، وسيد رسله،
محمّد الداعي
إليه، والدالّ عليه، والناطق
عنه، والمذكّر به، وعلى آله
الطيبين الطاهرين، الذين أكمل
بهم دينه، وأتمَّ نعمته، وأعزَّ
دعوته، وأبلغ حجّته.
ولعنة الله على
أعدائه المضادِّين له،
والصادِّين عن ذكره(الَّذينَ
بَدَّلوا نِعمَةَ اللهِ كُفراً
وأحلُّوا قَومَهُم دَارَ
البَوارِ * جَهنَّمَ يَصلَونَها
وبِئسَ القَرار).
السلام على ضيوف
الله الكرام، وحجاج بيته
الحرام، ورحمة الله وبركاته.
وبعد... فقد قال
عزَّ من قائل:(وأذِّن في
الناسِ بالحجِّ يأتوك رجالاً
وعلى كلِّ ضامر يأتينَ من كلِّ
فجِّ عميقِ * ليشهدوا منافعَ
لهُم ويذكرُوا اسم الله في أيّام
معلومات على ما رزقهُم من
بَهيمةِ الانعَام).
فهنيئاً لكم.. حيث
جعلكم الله تعالى ممن لبّى
دعوته، ووفد إليه، وأقام فرضه،
وعظّم شعائره، وتعرّض لرحمته.
ويا ليتنا كنّا
معكم فنفوز فوزاً عظيماً.
واعلموا أنّ الله
تعالى.. وإن كان مع عبده في جميع
الأزمنة والأحوال، يذكره إن
ذكره، ويشكره إن شكره، ويغفر له
إن استغفره، ويسمع منه إذا دعاه،
ويجيبه إذا ناداه، غير أنّ
الانسان في هذه الدنيا مشغول عن
ربّه بأهله وماله، وآلامه
وآماله، قد ألهاه ذلك عما يراد
به.. وعما سوف ينتهي إليه.
وقد جعل الله
تعالى المواسم الدينية
والمناسبات المقدسة سبب خير
ورحمة، لتذكِّر العبد بربِّه،
وتنبهه من غفلته، وتجدد له التمسك
بدينه، والرجوع لعقيدته، وتجلّي
له حقيقة أمره، وما هو صائر
إليه، ليتحفّز على نيل المكاسب
وصعود المراتب. فهي سوق المؤمنين
ومتجر العارفين.
وإنّ من أعظم تلك
المواسم موسم الحج الشريف، حيث
يفد فيه المؤمنون على ربّهم،
مستجيبين لدعوته، آمّين بيته،
لائذين به، مستظلين بظله،
متعرضين لرحمته، قد خلفوا
دنياهم وراءهم وتجرّدوا عنها من
أجله.
وهو يتميّز
بروحانيته العالية..
أولاً:
لابتناء محرمات الاحرام على
تخفيف الجانب المادي والحيواني
في الانسان لتجنب كثير من
الملذات والعدوانيات.
وثانياً: لانّ
أكثر أعمال الحج تعبديات غير
معلومة الفائدة لولا الايمان
بالغيب، والاذعان لله تعالى،
حيث يحفّز هذان الامران الجانب
الروحي والارتباط المطلق بالله
تعالى، وأي سبب أوثق من سبب بين
العبد وربّه؟!
ويظهر من النصوص
الكثيرة الواردة عن النبي(صلى
الله عليه وآله)، والائمة من آله(عليهم
السلام)، أنّ الحجاج حيث
كانوا ضيوف الله سبحانه وتعالى
والوافدين إليه فلابد أن يفوزوا
بحسن ضيافته، وعظيم جوائزه،
وجزيل عطاياه، وأن ذلك مضمون لهم.
ففي حديث معاوية
بن عمار عن الامام أبي عبدالله
الصادق(عليه السلام)، قال: «إذا
أخذ الناس منازلهم بمنى نادى
مناد: لو تعلمون بفناء من حللتم
لايقنتم بالخلف بعد المغفرة».
وفي حديث آخر عنه(عليه
السلام)، سأله رجل في
المسجد الحرام: من أعظم الناس
وِزراً؟ فقال(عليه السلام): «من
يقف بهذين الموقفين عرفة
والمزدلفة، وسعى بين هذين
الجبلين، ثم طاف بهذا البيت،
وصلى خلف مقام إبراهيم(عليه
السلام)، ثم قال في
نفسه وظن أنّ الله لم يغفر له،
فهو من أعظم الناس وزراً».
وفي حديث آخر عنه(عليه
السلام): «الحاج
والمعتمر وفد الله، إن سألوه
أعطاهم، وإن دعوه أجابهم، وإن
شفّعوا شفعهم، وإن سكتوا
ابتدأهم، ويعوَّضون بالدرهم ألف
درهم».
وفي حديث الامام
أبي جعفر الباقر(عليه السلام)، قال: «قال
رسول الله(صلى
الله عليه وآله): الحاج
ثلاثة، فأفضلهم نصيباً رجل غفر
له ذنبه، ما تقدم منه وما تأخر،
ووقاه عذاب القبر.
وأما الذي يليه فرجل غفر له ذنبه
ما تقدم منه، ويسأنف العمل فيمـا
بقي من عمره.
وأما الذي يليه فرجل حفظ في أهله
وماله»... إلى غير ذلك من
النصوص الكثيرة.
فعليكم أيها
المؤمنون أن تعرفوا عِظَم
النعمة التي خصَّكم الله تعالى
بها، ووفقكم لها، وتتبيَّنوا
ذلك في قلوبكم، وتطمئنوا إليه
بنفوسكم، ثم تحسنوا استغلال هذه
النعمة، وتجدُّوا في استثمارها،
وتستكثروا من خيراتها، وتكونوا
الافضل عملاً والاعظم أجراً،
والاربح متجراً.
وإياكم أن
تضيّعوها وتفرّطوا فيها.
واشكروا الله سبحانه على أن
وفقكم لذلك، واختصّكم به،
ويسَّره لكم.
وابتهلوا إليه ـ
بقلوب خاشعة ونيَّات صادقة ـ في
أن يُتمَّ لكم مناسككم في يسر
وعافية، ويتقبَّل أعمالكم،
ويغفر ذنوبكم، ويستجيب دعاءكم،
ويصلح نواياكم، ويزكّي أنفسكم،
وأن يُثبِّتكم على دينه،
ويجعلكم من أهل ولايته، ومن
الثابتين على طاعته، وأن يفيض عليكم من
رحمته ما يصلح به أمر دينكم،
ودنياكم، ومنقلبكم، ومثواكم.
وأن يدفع عنكم وعن دينكم القويم
وإخوانكم المؤمنين شر الاشرار،
وكيد الفجّار، وينصركم على
القوم الظالمين، ويرد كيدهم إلى
نحورهم. فإنّ ذلك كله بيده وإليه
يرجع الامر كله. وهو أرحم
الراحمين وولي المؤمنين.
وهناك أُمور مهمة
يتمّ بها حجكم، ويصلح بها أمركم،
فلا ينبغي لكم أن تغفلوها.
1 ـ التفقُّه في
أحكام الحج، وضبطها مسبقاً قبل
كل شيء. وذلك بمراجعة كتب
المناسك المعتبرة، واسترشاد
المرشدين من أهل التفقه
والمعرفة، والرجوع للبعثات
الدينية والاستضاءة بها، مع
التثبت في ذلك، والتأكّد منه،
والتروِّي فيه، فإنَّ أتعاب ذلك
تهون ازاء المشاكل والمضاعفات
التي يسببها الجهل بالاحكام
والغفلة عنها.
وإذا شك أحدكم في
مطابقة عمله الذي وقع منه للوجه
الشرعي فاللازم عليه الفحص عن
حاله، والاحتياط فيه، حتى يكون
على بصيرة من صحته وبيِّنة من
أمره.
وإذا جاء بالعمل
ثم ظهر له الخطأ فيه فلا يضيقنَّ
من تداركه ما دام ميسوراً له،
قبل أن يفوت الاوان ويقرع سنّ
الندم. فكم قد جرّ التسرع
والتسامح والاهمال في ذلك
لمشاكل معقدة يصعب حلّها، أو
يتعذّر الخروج منها.
2 ـ إنّ من جملة
ما حثّ الاسلام عليه حسن
المخالطة مع الناس، وجميل
المعاشرة معهم، وسجاحة الخلق
وسعة الصدر.
وقد أكد النبي(صلى
الله عليه وآله)، وأهل بيته(عليهم
السلام) على ذلك، ففي حديث عبد الله بن
سنان عن الامام زين العابدين(عليه
السلام)، قال: «قال
رسول الله(صلى
الله عليه وآله): ما
يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة
أفضل من حسن الخُلُق».
وفي حديث محمّد بن
مسلم عن الامام أبي جعفر الباقر(عليه
السلام)، قال: «إنّ أكمل
المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً».
وفي حديث الربيع
الشامي عن الامام أبي عبد الله
الصادق(عليه السلام) أنّه قال: ـ
في مجلسه وهو غاصّ بالناس ـ «يا
شيعة آل محمّد إعلموا أنه ليس
منا من لم يملك نفسه عند غضبه،
ومن لم يحسن صحبة من صحبه،
ومخالقة مَن خالقه، ومرافقه مَن
رافقه، ومجاورة مَن جاوره،
وممالحة مَن مالحه. اتقوا الله
ما استطعتم. ولا حول ولا قوة إلاّ
بالله». والاحاديث في
ذلك كثيرة جداً لا يسعنا الاطالة
فيها.
وإذا كان حسن
الخُلُق مطلوباً من المؤمن في
سائر الاوقات فهو في الحج أولى
وألزم، لانّ الحاج في طاعة الله
تعالى فهو أولى بمراعاة الاداب
الدينية، وأحرى بالتزام
الارشادات الالهية.
ولانّه مبتلىً
بأُمور كثيرة من شأنها أن تضيّق
صدره وتوعر خُلُقه، كصعوبة
أعمال الحج وكثرتها وطول مدتها،
وشدة الزحام، والخروج عن
المألوف في المعاشرة والمخالطة
والمأكل والملبس، وغير ذلك مما
من شأنه أن يجعل الانسان في حالة
استثنائية من شدّ الاعصاب
والتوتر.
فإذا لم يتهيأ من
أول الامر لذلك ويستعد له،
ويوطّن نفسه على المتاعب،
ويتدرع بالحلم، والصبر، وحسن
الخلق، وسعة الصدر، فقد ينهار
أمام هذه المشاكل ويفقد السيطرة
معها، ويخرج عن ميزانه ويقع فيما
لا تحمد عقباه، ونعوذ بالله
تعالى من ذلك.
ولذا ورد عنهم(عليهم
السلام) التأكيد على ذلك
في الحج..
ففي حديث صفوان عن
الامام أبي عبد الله الصادق(عليه
السلام)، قال: «كان
أبي يقول: لا [ما] يعبأ بمن يؤم
هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث
خصال: خلق يخالق به من صحبه، أو
حلم يملك به غضبه، أو ورع يحجزه
عن محارم الله».
3 ـ من المتوقع
بسبب المشاكل السابقة أن يتعرض
كثير من المؤمنين في
هذا الموسم للحاجة الماسّة
المادّية أو المعنوية، وقد تضيق
الامور بهم، وتنقطع السبل، وليس
لهم ـ بعد الله تعالى ـ إلاّ
إخوانهم المؤمنون.
فعلى المؤمنين
جميعاً أن يتحسّسوا روابط
الاخوة بينهم، ويستشعروا وحدة
الهدف، وأنّهم جميعاً وفد الله
تعالى وعياله، وأنّ أحبهم إليه
أنفعهم لعياله ـ كما استفاضت
بذلك النصوص ـ وأنّ كمال هدفهم
إنّما يكون بمواساة بعضهم لبعض،
فيعود غنيهم على فقيرهم، وقويهم
على ضعيفهم، وعالمهم على جاهلهم...
إلى غير ذلك.. فإنّ صلة بعضهم
لبعض صلة لله تعالى الذي كرّم
المؤمن وعظّم حرمته. وهو الذي
إليه وفدهم، وعليه أجرهم.
وفي حديث أبي حمزة
الثمالي عن الامام زين العابدين(عليه
السلام) أنّه قال: «من
قضى لاخيه حاجة فبحاجة الله بدأ،
وقضى الله له ]بها [مائة
حاجة في إحداهن الجنّة...»، والحديث
طويل في تفصيل ذلك.
وفي حديث أبان بن
تغلب عن الامام أبي عبد الله
الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «لقَضاء
حاجة مؤمن خير من طواف وطواف حتى
عدّ عشرة
أسابيع».
وفي حديث إسماعيل
الخثعمي، قلت لابي عبد الله(عليه
السلام) أنّا إذا قدمنا
مكة ذهب أصحابنا يطوفون
ويتركوني أحفظ متاعهم قال: «أنت
أعظم أجراً».
وفي حديث مرازم،
زاملت محمد بن مصادف فلما دخلنا
المدينة اعتللت فكان يمضي إلى
المسجد ويدعني وحدي، فشكوت ذلك
إلى مصادف فأخبر أبا عبد الله(عليه
السلام) فأرسل إليه: «قعودك
معه أفضل من صلاتك في المسجد».
إلى غير ذلك مما
يضيق المقام عن استقصائه.
فلا ينبغي لمن
يسعه وجه من وجوه الاعانة
والمواساة أن يهمل ذلك ويضيق به،
ويضيّع الفرصة ويفرّط فيهاو
فإنّ الفرص تمرّ مرّ السحاب.
|