بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين، إلى يوم الدين.

إلى إخواننا المؤمنين الآذريين. وفقهم الله تعالى.

السلام عليكم ـ على بعد الدار، وتعذر المزار ـ ورحمة الله وبركاته.

وبعد فيسعدنا أن يكون حديثنا معكم حقيقة واقعة، بعد أن كان أحلاماً لا تتجاوز الأماني، بسبب الفترة العصيبة التي مرت عليكم، والمحنة القاسية التي نزلت بكم، والعزلة القاهرة التي تعرضتم لها، عقوداً من الزمن الأسود، لم يكن في الحسبان أن يرتفع كابوسها، وينجلي ظلامها ويتفرى ليلها عن فجر التعارف، والتواصل، والاختلاط، والتفاهم، بينكم وبين إخوانكم المؤمنين، وتبادل الآراء ووجهات النظر، وتدارس المعلومات المثمرة، والثقافة الدينية الأصيلة، التي أنعم الله تعالى بها على عباده المؤمنين، الذين كرمهم بدينه، وشرفهم بأهل بيت نبيه (صلى الله عليه واله وسلم)،

((وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليماً)) (سورة الفتح: 26).

وإن اختيار الله جلّ شأنه لكم ذلك الامتحان العسير لم يكن ـ إن شاء الله تعالى ـ عن هوان منكم عليه، بل هي سنته في المؤمنين، ووعده لهم قال عزّ وجلّ: ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتّى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب))(سورة البقرة:214). وقال عزّ من قائل: ((ولما رآى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلاّ إيماناً وتسليماً)) (سورة الأحزاب: 22).

فالحمد لله القادر القاهر ـ الذي لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض وهو العزيز الحكيم ـ حيث دمّر على الظالمين، وزلزل بهم، وفرق جمعهم، وشتت شملهم، وأتى بنيانهم من القواعد ((فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون)) (سورة النحل: 26).

وقد قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ((لا يعدم الصبور الظفر وإن طال به الزمان)) (نهج البلاغة:597 / باب المختار من حكم أمير المؤمنين(عليه السلام) رقم 153).

وفعلاً تم لكم ذلك حيث كنت عاقبة هذه المحنة الطويلة تحرركم من الكافر من بعد أن تداولتكم دول الكفر وطواغيته ما يقرب من قرنين، وهي سنة الله تعالى في المؤمنين. قال سبحانه: ((وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون))(سورة الأعراف: 137). فلله الشكر على أن طهّر منهم بلاده، وأراح عباده، وأعلى كلمته، ونصر دينه. إنه خير الناصرين، وولي المؤمنين وهو حسبنا ونعم الوكيل.

كما لا زلنا شاكرين لكم ـ بإكبار وإعجاب ـ ثباتكم على دينكم القويم، وصراط أهل البيت(عليهم السلام) المستقيم، وحفاظكم على مبادئكم الشريفة، وصبركم في ذلك الامتحان العسير، على طول المدة، وشدة المحنة، وتعاقب الأجيال، فنسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يجعلكم من أهل ولايته الذين قال فيهم: ((إن الذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أ لّا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعدون *نُزُلاً من غفور رحيم* وَمن أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين)) (سورة حم السجدة: 30 ـ 33).

ويجدر بنا بعد ذلك أن نلفت نظركم لأُمور تخصكم في أوضاعكم الحاضرة.

الأول: إن من أفضل نعم الله تعالى عليكم أن عرفكم نفسه، ونبيه (صلى الله عليه واله وسلم)، وهداكم لدينه القويم، دين الإسلام العظيم، على خط أهل البيت ـ صلوات الله عليهم ـ الواضح، ونهجهم السليم، الذي يسعد من انتهجه، ويشقى من تركه. وان هذه النعمة العظيمة يفقدها الكثرة الكاثرة من الناس، وقد خص الله تعالى بها أولياءه وفضلهم بها، حبّاً لهم، ورأفة بهم، وإن قوة حجة هذا المبدأ الشريف، وظهور حقه، ومطابقته للفطرة، وابتناءه على الواقعية والاخلاص، قد كانت أكبر عون لكم في الثبات عليه، والوقوف أمام أعاصير الفتن التي مرت عليكم، والمحن القاسية التي نزلت بكم، والصبر تلك المدة الطويلة التي قضيتموها في غياهب تلك الظلمات هذا مضافاً إلى نعمه الأُخرى التي لا تعدّ ولا تحصى، ومنها نعمة الفرج بانحسار ذلك البلاء العظيم الذي حلّ بكم وانكسار الطوق الذي كان سبباً في عزلكم عن إخوانكم المؤمنين. فتعرفوا عظمة نعم الله تعالى عليكم في أنفسكم، وأكدوها في قلوبكم وضمائركم. ثم جدّوا في شكرها أداءً لحق الله تعالى حين أنعم بها عليكم، وطلباً للمزيد من لطفه وفضله وتوفيقه، وهو القائل جلّ شأنه: ((لئن شكرتم لأزيدنّكم)) (سورة ابراهيم: 7).

وإن من أعظم مظاهر شكر الله تعالى على نعمه الجليلة وأياديه الجميلة صبركم على طاعة الله تعالى والقيام بحقه وتحري رضاه والوقوف عند حدوده، ومجانبة معاصيه، ثمّ خدمتكم لدينه العظيم، واهتمامكم بنشره، وترويجه، والدعوة له، ومحاولة رفع آثار الماضي البغيض ـ من الضلال والانحراف ـ والقضاء على ما خلفه من بقايا الباطل في العقيدة والسلوك. أعانكم الله تعالى على ذلك بأفضل عونه، وأمدكم بالتأييد والتسديد، مع خلوص النية، وقبول السعي. إنه أرحم الراحمين، وولي المؤمنين.

(الثاني): إن من أعظم الحقوق عليكم بعد حق الله تعالى حق آباءكم وأجدادكم الذين حافظوا على دينهم في العهود المظلمة، وتشبثوا به عقيدة وعملا، وضموا عليه جوانحهم وجوارحهم، وقبضوا عليه بيد من حديد في وقت كان القابض عليه كالقابض على الجمر، ثم صبروا على ذلك في المدة الطويلة والفترة العصيبة، حتى أوصلوه لكم وحببوه إليكم، وحملوكم عليه، وغذوكم به، وغرسوه في نفوسكم فان لهم بذلك عليكم ـ بعد حق الأبوة العظيم ـ حق الهداية والإرشاد، والإنقاذ من النار، يوم لم يبق عندكم هاد غيرهم، ولا مرشد سواهم. فاعرفوا لهم حقهم، واشكروا لهم فضلهم، وتمثلوا قول الشاعر:

            لا عذب الله أمي إنها شربـت           حـب الوصـــي وغذتنيه باللبن

            وكان لي والد يهوى أبا حسن          فصرت من ذي وذا أهوى أبا حسن

وإن وفاء حقهم، والقيام بواجب شكرهم، يكون بأمرين.

1ـ أن تحفظوا لهم الأمانة التي حملوكموها وترعوا النعمة التي الزموكم إياها، وتتمسكوا بالدين الذي حفظوه لكم، وتجدّوا في نشره بعد انحساره، وترويجه بعد انكماشه. لتزكوا ثمرة عملهم، وتباركوا آثار جهادهم وجهودهم. فيسروا بذلك في قبورهم، ويضاعف أجرهم وثوابهم عند الله تعالى، فان من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.

2ـ أن تكثروا من ذكرهم الترحم عليهم وإيصال المبرات والخيرات لهم، وتحاولوا تخليد أسمائهم وآثارهم، حتى لا تغفلوا عنهم، ولا يغيبوا عن وجدانكم، فإن حقهم عليكم أعظم من ذلك وأكبر ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعمهم بالرحمة والرضوان، ويشكر لهم سعيهم، ويتقبل منهم، ويضاعف حسناتهم، ويزيد في علو درجاتهم، ويكتبهم عنده في عليين، ويحشرهم في زمرة أوليائهم الطيبين الطاهرين محمد وآله صلوات الله عليهم أجمعين، وأن يجمعكم معهم في مستقر رحمته وتحت ظل عرشه، حيث لاظل إلا ظله، وهو القائل في محكم كتابه: ((والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين)) (سورة الطور آية: 21). كما نسأله بلطفه ورحمته أن يشركنا في أجرهم، فإن من أحب عمل قوم شركهم في أجرهم. وهو الرحيم بعباده الرؤوف بهم.

(الثالث): إن الماضي البغيض الذي عشتموه مع الشرق الكافر، والحصار القاسي الذي ضربه عليكم، قد يدفعكم ـ بعد كسر الطوق ـ لا إرادياً وبتأثير رد الفعل منه إلى الاتجاه نحو الغرب بعد التناقض الحاد بينهما. ولا سيما مع ما يملكه الغرب من قوى مادية وإعلامية هائلة، وما يتمتع به من زينة برّاقة وبهرجة صارخة، تخدع الناظر، وتستهوي الغافل.

والحذر، ثم الحذر من ذلك، فإن الغرب هو العدو اللدود لكم، ولدينكم، ومثلكم، وأخلاقياتكم، والوحش الشرس الكاسر، الذي لا يقف أمامه شيء دون مصالحة وأطماعه. وإن وراء تلك الزينة والبهرحة، التحلل، والتفسخ، والميوعة، والهبوط، إلى حضيض الحيوانية الحائرة، حيث تضيع الأهداف النبيلة، وتغيب القيم والمثل الشريفة، ويستعبد الإنسان للمادة، كالأنعام السائمة، والبهائم المرسلة، همها علفها، وشغلها تقمّمها، وقد ذهلت عما يراد بها ويبيت لها. وفي ذلك الخسران المبين والهلاك الدائم، في الدنيا والآخرة. ونعوذ بالله تعالى من خذلانه.

وإن لكم في دينكم القويم، ومثلكم السامية، التي تضمنها القرآن المجيد، ودعا لها نبي الإسلام العظيم (صلى الله عليه واله وسلم)، وحملها عنه أهل بيته الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) ما يغنيكم عن التسكع على موائد الآخرين، والأخذ منهم والتبعية لهم، والسير خلفهم. و ((الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسلُ ربنا بالحق)) (سورة الأعراف:43). و ((من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً))(سورة الكهف: 17). ونسأل الله تعالى بفضله ورحمته لنا ولكم الاهتداء بنوره وانتهاج سبيله. انه ولي التوفيق.

(الرابع): من الطبيعي أن تكون الفترة المظلمة التي مرت بكم والمحنة القاسية التي تعرضتم لها قد استزلت بعض المؤمنين، وفتنتهم عن دينهم، فزاغوا عنه، أو انحرفوا في سلوكهم عن تعاليمه. فاللازم على المؤمنين أن يرفقوا بهم، ويفتحوا صدورهم لهم، ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة إلى الرجوع لحظيرة الطاعة، والدخول في ساحة الرحمة، ويشجعوهم على ذلك، ويرجّوهم رحمة الله تعالى وفضله، ويبعدوهم عن اليأس من رحمته وعفوه.

فإنه جل شأنه بمنه وكرمه قد فتح باب التوبة لعباده، ودعاهم إليها، وحثهم عليها. قال سبحانه: ((يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار)) (سورة التحريم: 8). وقال عزّ وجلّ: ((ومن يفعل ذلك يلق أثاماً* يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا* إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً))(سورة الفرقان: 68 - 70). وقال عزّ من قائل: ((إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين))(سورة البقرة: 222)… إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في الكتاب المجيد.

وقد ورد في أحاديث كثيرة عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته عليهم السلام: ((ان التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وأن الله يحبّ من عباده المفتّن التواب)).

فعليهم أن يستغلوا هذه النعمة ويغتنموها، ويستجيبوا لله بعد أن دعاهم إليه، ويتعوذوا من الشيطان الرجيم ومن فتنته، ولا يجعلوا للقنوط من رحمة الله تعالى على أنفسهم سبيلاً، فيلجوا في المعصية، ويغرقوا في البعد عن الله تعالى، فان القنوط في نفسه من الكبائر، قال الله تعالى: ((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم* وأنيبوا إلى ربكم وأسملوا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون))(سورة الزمر:53 - 54). وقال سبحانه: ((ومن يقنط من رحمة ربه إلاّ الضالون))(سورة الحجر: 56). ونسأله سبحانه أن يمن عليهم بالتوفيق للتوبة، والرجوع للطاعة، ويشد عليهما عزمهم، ويهديهم سواء السبيل.

(الخامس): يجب عليكم الاهتمام الجدي بأمر الجليل الجديد والنشء الصاعد، فإن آثار الماضي المرّ، وأوضاع الحاضر المؤلم على الصعيد العالمي العام قد تتفاعل معا، فتعيق توجهاته الدينية عقيدة وسلوكاً، وتزرع في طريقه ما يثبطه عن الاستقامة ويغريه بالزيغ والشذوذ، وهؤلاء هم أفلاذ أكبادكم، وثمرات قلوبكم،وزهرة دنياكم، وامتداد وجودكم. وعليهم يتوقف بقاء دينكم ومبادئكم في بلادكم، وقد قال الله تعالى: ((قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون))(سورة التحريم:6). فتوكلوا على الله تعالى واستعينوا به، ثم أعدوا العدة من أجلهم، وابذلوا جهدكم في هدايتهم وإرشادهم وتحصينهم من سموم التحلل والانحراف، كل ذلك مع التعقل والحكمة، والرفق واللين، فانه لم يوضع الرفق على شيء إلاّ زانه، ولم يوضع الخرق على شيء إلا شانه.

وإن لكم أُسوة حسنة بآبائكم الصالحين (رضوان الله تعالى عليهم) حين جهدوا في توجيهكم دينياً في تلك الظروف المعقدة والمحن القاسية، فليكونوا قدوة صالحة لكم في ذلك، بل أنتم أولى منهم بعد انقشاع ذلك البلاء والانفتاح الذي حصل. والحذر ثم الحذر من التسامح والإهمال والتواكل، فان نتيجة ذلك وخيمة وعاقبة الهلاك والخسران. والله خير معين لكم في ذلك وهو معكم إن شاء الله تعالى.

(السادس): من أهم الواجبات الدينية عليكم أن ترسلوا جماعات منكم للحوزات العلمية الدينية الشريفة، ليتفرغوا للدروس الحوزوية في الفقه والأصول وغيره من مقدمات الفقه والاجتهاد، كما قال عزّ وجلّ: ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون))(سورة التوبة:122).

فإن رجوع الدين متمكنا مستحكماً في بلادكم العامرة ـ إن شاء الله تعالى ـ لا يتمّ إلاّ بأن يكون من أبنائها علماء ربانيون عاملون، يحملون ثقافة أهل البيت(عليهم السلام) الدينية الأصيلة، ومن الطراز العالي في العلم والعمل، ليجدوا في تثقيف أبنائها وتعليمهم وتنشئتهم نشأة دينية ذات جذور ثابتة مستحكمة، ويكونوا مرجعاً للناس في مشاكلهم الدينة وملجأً لهم في حلها.

ثم ليكونوا قاعدة للدعوة الدينية، ولمذهب أهل البيت صلوات الله عليهم في هذه البلاد، ويتفرغون لترويج الدين الحنيف والمذهب الحق، وإزالة العقبات التي تعترض طريقهما، مما أفرزته الأوضاع الشاذة السابقة، وتساعد عليه الأوضاع العالمية الحاضرة السائرة باتجاه الانحراف والتحلل.

ولا يكفي في ذلك وجود متفقهين مبتدئين لم يبلغوا مرتبة عالية، ولم يتمرسوا في الثقافة الدينية الأصيلة. فان وجود هؤلاء المتفقهة في هذا الظرف وإن كان ضرورياً جداً، من أجل نشر الدين وتعليم الأحكام، وتفقيه أكبر عدد ممكن من المؤمنين، وتعريفهم بواقع مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، إلاّ أنه لابدّ أن تكون الخطوة التالية هي إيجاد طبقة من العلماء المتمرسين الصحيحين الرفيعي المستوى، لينهضوا بحملة التثقيف والدعوة والدفاع التي ذكرناها.

بل اللازم أن تحاولوا بجدية إقامة حوزات في بلادكم تتواصل وترتبط مع الحوزات الأخرى في بلاد التشيع، أقل ما يمكن أن تقوم به هو إعداد من يريد طلب العلم نفسياً وعملياً لذلك، وتكييفه بما يتناسب معه، ثمّ تزويده بالمعلومات والثقافة العامة، وتدريسه المناهج الدراسية للمراحل الأولية في بلاده مقدمة للدراسات المتقدمة والعليا في الحوزات الكبرى، ليفد على تلك الحوزات وهو مهيأ لها. فإن ذلك أحرى بنجاحه، بخلاف ما إذا قدم إليها وهو خالي الوفاض من دون تهيؤ لها، بحيث يبدأ من الصفر، فإنه قد يتعرض للإحباط والفشل.

وربما تتطور تلك الحوزات التي تقوم في بلادكم، ويرتفع مستواها، في المستقبل المنظور، بعون الله تعالى وتوفيقه.

ثم عليكم أن تتذكروا مجدكم العلمي الماضي، قبل النكبة التي أصابتكم، والكارثة التي حلت بكم، فقد برز من بلادكم جماعة من العلماء، بلغوا مراتب عالية في العلم والعمل، وارتقى بعضهم منصب المرجعية الدينية الرفيع. ولا زالت آثارهم باقية إلى يومنا هذا. ومؤلفات بعضهم للآن مرجع في الحوزات العلمية الدينية الشريفة، ينهل منها أهل العلم ما يمدهم بالمعرفة والتحقيق.

فعليكم أن تكدحوا وتجدوا إعادة ذلك المجد العلمي الرفيع، وتشييد بنيانه على تلك الأُسس المتينة والقواعد الرصينة، لتزول آثار الماضي البغيض، وتكون عاقبة تلك المحنة خيراً كثيراً. والله سبحانه وتعالى هو المعين لكم وعليه أن يوفقكم في جهودكم، كما قال عزّ من قائل: ((والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين))(سورة العنكبوت:69).

(السابع): من المتوقع أن تكون الأوضاع الماضية، والظروف الشاذة التي مرت عليكم قد أبعدتكم عن اللغة العربية لغة دينكم القويم، ونبيكم العظيم (صلى الله عليه واله وسلم)، فعليكم أن تتداركوا ذلك بمحاولة العودة لها، والاهتمام بتعلمها، والتشبث بها، والاستزادة منها، فإنها لغة الإسلام العظيم في تاريخه وأمجاده، وفقهه، وأحكامه، وتوجيهاته، وآدابه، وجميع مفاهيمه، وتعاليمه، التي يتضمنها القرآن المجيد، وخطب النبي وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، وأحاديثهم الكريمة، وأدعيتهم الباهرة، وزياراتهم الشريفة، وما تبع ذلك وحام حوله مما طرقه فقهاء الإسلام، وعلماؤه، وكتابه، وبلغاؤه، ومؤرخوه، وشعراءه، وهي اللغة التي جمعت المسلمين في أوج مجدهم ـ على اختلاف قومياتهم وأوطانهم ـ فملأوا بها الدنيا ثقافة وعلما، فإن التعرّف عليها، والإحاطة بها تسهل عليكم استيعاب ذلك كله، والتزود منه، والسيطرة عليه، وتطويره، فلا تتهاونوا بذلك، وها نحن نرى الناس ـ من المسلمين، وغيرهم ـ يتسابقون لتعلم اللغات الأجنبية، والإلمام بها، من أجل الاستعانة بها على كسب المال أو الثقافة الدنيوية، والمسلمون أولى بأن يهتموا بلغة دينهم من أجل استعانة، والتفاعل معه، والإحاطة بمفاهيمه، ومعارفه، والتزود من علومه، وثقافته.

(الثامن): حاولوا بجهدكم التواصل مع بلاد الإسلام الأُخرى، ولاسيما بلاد التشيع منها. والإكثار من المشاركة في موسم الحج الشريف الذي هو إحدى فرائض الإسلام العظام، وزيارات المشاهد المشرفة لأهل البيت (صلوات الله عليهم) في تلك البلاد، كما كان عليه سلفكم الصالح، حيث لازال شيوخ النجف الأشراف يتناقلون أنباء وفود الزوار من بلادكم، والحديث عن قوافلهم، على بعد المشقّة وما كان عليه السفر تلك الأيام من صعوبة بالغة، لوعورة الطرق، وفقد الأمان فيها، وبدائية وسائط النقل. ومع ذلك كانوا يأتون بأعداد كبيرة، وكان لهم وجود ظاهر في العتبات المقدسة، فعليكم أن تعيدوا ذلك ما استطعتم، فان في تلك الزيارات تجديداً منكم للعهد بأهل البيت صلوات الله عليهم، وتأكيداً لولائكم إياهم، وتشييداً لمبادئهم الشريفة، وتثبيتاً لها في نفوس المؤمنين، وترويجاً للدين الحنيف، مع ما في ذلك من تعرفكم على اخوانكم المؤمنين، ومواصلة منكم لهم، وتثبيت المحبة والأُلفة معهم، وهو من أفضل المكاسب، وأشرف المغانم.

(التاسع): لابدّ وأنكم تعرفون أهمية إحياء مناسبات أهل البيت (صلوات الله عليهم) ومواسم ذكراهم في مواليدهم ووفاياتهم، وأفراحهم وأحزانهم، خصوصاً المناسبات المشهورة، ولا نظنكم تغفلون ذلك وتهملونه، غير أن علينا أن نذكر به، فان الذكرى تنفع المؤمنين، ونؤكد عليه بعد أن حثّ الله تعالى عليه مؤكداً، وأعظم أجره وأجزل ثوابه، كل ذلك على لسان أهل البيت(عليهم السلام). لما لذلك من الأثر العظيم في شدّ الناس بهم (صلوات الله عليهم) وتثبيت المودة والولاء لهم، وتأجيج العواطف والمحبة نحوهم، ثم الحفاظ على مبادئهم الرفيعة، وترويج مذهبهم الشريف، والدعوة لدين الله الحق الذي فرضه على عباده، ولم يقبل منهم غيره.

وقد كان لسلفكم الصالح(عليهم الرحمة والرضوان) فعاليات في إحياء تلك المناسبات، لازال الناس يذكرونها، فعليكم أن تحيوا في بلادكم ما أماته الظالمون، وتشيدوا ما هدمه الجبارون، لتحظوا بخير ذلك وأجره وتجنوا ثمراته المباركة في دينكم ودنياكم وآخرتكم ((والله معكم ولن يتركُم أعمالكم))(سورة محمد:35).

(العاشر): من البديهي أن نجاحكم في جهودكم وتوفيقكم في مسيرتكم منوط بتقدير الله تعالى وعونه، إذ كل شيء بعينه، خاضع لإرادته وإليه يرجع الأمر كله. فعليكم أن توثقوا علاقتكم به جل شأنه، وتجعلوه نصب أعينكم، وتخلصوا له وتتوكلوا عليه، وتحسنوا الظن به، ثم تلجؤوا إليه في أموركم، وتستمدوا عونه ورعايته. وتستشفعوا له بأوليائه الطيبين نبي الرحمة وآله الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، فانهم الوسائل إلى الله تعالى، والوسائط بينه وبين عباده، والشفعاء لديه، والسبل إلى مرضاته، ولاسيما خاتمهم وقائمهم إمام العصر صاحب الزمن عجل الله فرجه، فان الأمور فعلاً تجري على يديه، وهو منبع الفيوضات الإلهية ومصدر الألطاف الربانية، وهو الراعي لشيعته ومواليه، وعليه تعرض أعمالهم، وإليه تنتهي أخبارهم، وانتفاعهم به في غيبته كانتفاعهم بالشمس إذا جللها السحاب، فلا يغيبن عن وجدانكم، ولا تغفلوا عنه في أموركم، ووثقوا علاقتكم به، وأكثروا من ذكره وزيارته والسلام عليه، واجهدوا في مرضاته والتحبب إليه، والاستغاثة به وقدموه بين يدي حوائجكم، وتوسلوا به إلى الله تعالى في مشاكلكم، واعتصموا به في أموركم. ولن تخذلوا إن شاء الله تعالى.

وختاماً: ثبتكم الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأراكم ما تحبون، ووفقكم لما فيه الخير والصلاح، وكلل جهودكم بالنجاح والفلاح، وعضدكم بالتأييد والتسديد، وأفاض عليكم من فضله ورحمته ما يصلح به أمر دينكم ودنياكم، ويسعدكم به في أُولاكم وأُخراكم،في يسر وعافية، إنه أرحم الراحمين، وولي المؤمنين،وهو حسبنا ونعم الوكيل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

النجف الأشرف

محمد سعيد الطباطبائي لحكيم

18 شعبان المعظّم 1421هـ