|
إن مسألة
البحث والتطور العلمي من لوازم وجود الإنسان
فوق هذا الكوكب، لأنه الطبيعة الناطقة
والتي تقوّم الإنسان وتميزه عن غيره من
الحيوانات هي مبدأ التفكير الذي يُعد
الأساس لاكتشاف كل مجهول في هذا الكون
وبالتالي الانطلاق في آفاق التقدم
العلمي. وعلى
الرغم من استحالة الوقوف في وجه هذه
الخصيصة الإنسانية أو عرقلة عجلة التقدم
والتطوير العلمي للإنسان، لكن لابد من
وجود قانون أخلاقي يكون ناظراً وحاكياً
على نتائج هذه الحركة العلمية من أجل
حفظه من الانحراف أو الطغيان المنافي
للكمال الحقيقي للإنسان في هذا العالم. وليس
لدينا أفضل ولا أكمل من الشريعة
الإسلامية الغراء والتي لها في كل واقعة
حكم لترشيد وهداية هذه الحركة العلمية
واستثمار نتائجها لصالـح البشرية. وعلى
الرغم من أنه لا يوجد من الأديان قد حثّ
اتباعه على طلب العلم والمعرفة في كل
مكان مثل الدين الإسلامي الحنيف، إلا أنه
في الوقت ذاته حثهم على أن يشكروا هذه
النعمة الكبيرة أي العقل والعلم، وأن
يسّخروا علومهم لخدمة الإنسانية جمعاء،
وألا يكفروا هذه النعمة بتسخيرها في خدمة
الشر وهلاك البشرية كما يحدث في كثير من
الأحيان في الغرب في زماننا الحاضر. والإنسان
المؤمن بما يتحلى به من الرؤيا الكونية
يرى أن الدنيا وسيلة إلى الآخرة، فهو
حريص أن يعرف موقف الدين الإسلامي الحنيف
من كل حادثة في زمانه، فيفزع إلى أهل
الذكر وهم فقهاء الإسلام(رضي الله عنه) من أجل
معرفة الحكم الشرعي وتعميم تكليفه تجاه
ذلك الأمر. ومن هذه
الحوادث ظهر في الغرب في عام (1997م) اكتشاف
علمي كبير وعجيب قائم على أساس الاستنساخ
الحيواني أي الحصول على نسخة طبق الأصل
من الحيوان الموجود ـ كما سيأتي تفصيله ـ
وقد تمت التجربة بنجاح في بريطانيا
باستنساخ نعجة سُميت (دولي) مما أثار ضجة
عالمية كبيرة وأوجدت ردود أفعال متباينة
بين موافق ومخالف خاصة مع إمكان تطبيقها
على الإنسان. وقبل
الولوج في بيان كيفية هذه العملية لابد
من تقديم مقدمة مختصرة عن طبيعة الخلية
الحيوانية والتي يشترك فيها الإنسان مع
سائر الحيوانات، وعن كيفية تكاثرها
الطبيعي والجنسي.
أ ـ التكاثر
الطبيعي: وهو الذي يتم في جميع أعضاء الجسم
الطبيعية ويؤدي إلى نموها وفيها ينشطر كل
جسم من الأجسام الصبغية إلى نصفين ثم
يكمل كل نصف نفسه إلى جسم كامل ويذهب كل
شطر بعد تكامله إلى أطراف النواة والتي
تنقسم بعد ذلك إلى نواتين ثم تنقسم
الخلية بعد ذلك إلى قسمين يحتوي كل قسم
منها على نواة مستقلة تحمل نفس عدد
الأجسام الصبغية (46) التي كانت موجودة في
الخلية الأولى. ب ـ التكاثر
الجنسي: ويتم داخل الأعضاء الجنسية لكل إنسان أي
الخصيتين في الذكر، والمبيضين في
الأنثى، حيث تنقسم الخلية في هذه الأعضاء
بنحو آخر وذلك بانقسام الأجسام الصبغية
فيها إلى نصفين كما هو الحال في التكاثر
الطبيعي، ولكنه يبقى كل نصف على حاله لا
يتكامل، ثم تنقسم النواة والخلية بعد ذلك
إلى خليتين جنسيتين وهما الحيامن في
الذكر والبويضات في الأنثى. وتحتوي
كل خلية جنسية على نواة تحمل (23) كروموسوم
أي نصف عدد الكروموسومات في الخلية
الطبيعية ومن أجل الحصول بعد ذلك على
الجنين الحيواني أو الإنساني هناك
طريقان: 1 . الطريق الطبيعي:
وذلك بإيصال الحيامن الذكرية إلى رحم
الأنثى عن طريق الجماع الجنسي الطبيعي،
وهناك تلتقي الحيامن مع البويضة، ويتمكن
واحد منها ـ بإذن الله تعالى ـ من تلقيح
البويضة فتنعقد النطفة وتتعلق بالرحم ثم
تصير علقة ومضغة وتستكمل بعد ذلك جنيناً
تاماً. 2. الطريق الصناعي:
وهو طريق مستحدث منذ عدة سنوات لمعالجة
حالات العقم ويتم عن طريق أخذ الحيامن
الذكرية والبويضات وتلقيحها خارج الرحم
في أنبوبة تحتوي على محيط غذائي خاص ثم
بعد انعقاد النطفة يتم إعادة حقنها في
الرحم لتستكمل جنيناً بعد ذلك. والجدير
بالإشارة هنا أنه في كلا الحالتين فإنه
بعد التلقيح تتحد نواة الحيوان المنوي
الذكري مع نواة البويضة الأنثوية والذي
يحتوي كلا منها على (23) كروموسوم ليصيرا
نواة واحدة تحتوي على (46) كروموسوم، تحوي
الصفات الوراثية المشتركة بين الذكر
والأنثى، ثم تبدأ النواة المشتركة بعد
ذلك في التكاثر والانقسام في طريق حصول
الجنين. ومن
الواضح هنا أن الجنين الحاصل ليس نسخة
طبق الأصل من الذكر أو الأنثى بل هو حصيلة
انتاج مشتركة بينهما يحمل صفاتها
الوراثية، فهو ابن لهما. وبعد
الانتهاء من هذه المقدمة التمهيدية نشرع
في بيان مختصر عن عملية الاستنساخ
الحيواني والتي هي موضوع بحثنا: تبدأ
هذه العملية بانتزاع خلية جسمية لا جنسية
من جسم الحيوان المطلوب استنساخه سواء
كان ذكر أو أنثى (وفي مورد النعجة
المذكورة تم أخذها من الضرع) ثم يتم بعد
ذلك تفريغ الخلية من نواتها المشتملة
بالطبع على (46) كروموسوم ثم بعد ذلك يتم
وضع هذه النواة في بويضة أنثوية بعد
تفريغها من نواتها الخاصة بها والتي كانت
تشتمل على (23) كروموسوم وذلك في محيط
غذائي خارج الرحم في المختبر، وبالتالي
يصبح لدينا خلية نواتها من حيوان يحمل
جميع صفاته الوراثية بعينها ومحيطها
الغذائي (السيتوبلازم) من حيوان آخر وبما
أن السائل السيتوبلازمي هو الذي يحدد
مسير انقسام النواة، فسوف تبدأ النواة
الضيفة بعد التحفيز الصناعي بالانقسام
في اتجاه تكوين الجنين فتصبح بحكم
النطفة، ثم يعاد حقن هذه النطفة المنقسمة
إلى رحم أنثى حيوان حتى يستكمل هناك
جنيناً تاماً يكون نسخة طبق الأصل من
الحيوان صاحب النواة يحمل جميع صفاته
الوراثية. رفع
شبهة:
إن هذه العملية ليست من باب الخلق ولا
الإيجاد المختصة بالله تعالى، ولكنه
عبارة عن عملية تلقيح صناعي معدل، تنقل
فيها النواة التي تحتوي على سر الحياة
إلى البويضة ثم إعادتها بعد التلقيح إلى
الرحم من أخرى ليحصل الجنين بعد ذلك
بالطريق الطبيعي. أصل
الإشكال: إن الإشكال المهم في هذه
العملية والذي كان مثار ضجة كبيرة وحيرة
بين الناس خاصة المؤمنين منهم، هو أن
الجنين الحاصل من هذه العملية ليس في
الحقيقة انتاجاً مشتركاً بين الذكر
والأنثى كما بينا سابقاً، لأنه ليس نتيجة
تلاقح بين نواة الحيوان المنوي للذكر
ونواة البويضة للأنثى، بل عبارة عن تكثير
نواة واحدة لطرف واحد بالاستعانة بمحيط
غذائي (سيتوبلازم) لبويضة حيوان آخر،
وبالتالي لا يحمل إلا الصفات الوراثية
لطرف واحد وهو صاحب النواة، وبالتالي
ينتفي المعنى العرفي للبنوة لكل من الأب
والأم. وبما
أن الأحكام تابعة للعناوين فنقع في مشكلة
كبيرة متعلقة بأحكام النسب والمواريث
لهذا الجنين الحاصل وما يتفرع عليها من
أحكام كثيرة في باب المعاملات كالنكاح
بالولاية وغيرها. وعلى
الرغم من أن هذه العملية لم تطبق بعد على
الإنسان إلا أن إمكانها موجود، ومن أجل
الاستعداد لمثل هذا الاحتمال فقد لاذ
المسلمون إلى علمائهم يستفتونهم عن رأي
الدين والشريعة في أصل شرعية هذه
العملية، والموقف الشرعي في هذا الطفل
الحاصل من هذه العملية والذي يعد نسخة
طبق الأصل من صاحب النواة. وكان
في مقدمة هؤلاء العلماء الأعلام سماحة
آية الله العظمى السيد محمد سعيد
الطباطبائي الحكيم (أدام الله ظله الشريف
على رؤوس المسلمين) فقد تصدى سماحته
للإجابة عن بعض الأسئلة المطروحة من جانب
بعض المؤمنين وتفضل ببيان الحكم الشرعي
فيها. وفي
الختام نسأل المولى عز وجل أن يحفظ
سماحته ويوفقه لخدمة الشريعة الغراء،
وأن ينفعنا بعلمه الشريف في الدنيا
والآخرة.
والحمد
لله رب العالمين. د. أبو حسين المصري |