س26( في مورد تعرض الصغار والمجانين للضرب أو الجرح أو التوهين، يرجى الإجابة عن ما يلي:
أ.. هل يحق للولّي ـ المسؤول عن رعاية مصلحة المولّى عليه ـ العفو؟
ج: نعم ينفذ منه العفو بدلاً عن المولّى عليه، إذا كان صلاحاً للمولّى عليه بنظره، عملاً بمقتضى ولايته. خلافاً للشيخ? في المبسوط والخلاف. كما تقدم ذكر كلامه ودليله والجواب عنه في جواب السؤال الخامس والعشرين.
نعم لم يتضح موضوع العفو في التوهين، لعدم الحدّ في الفرية على الصغير والمجنون، بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، كذا في الجواهر. للنصوص الكثيرة، كصحيح الفضيل بن يسار: ((سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: لا حدّ لمن لا حدّ عليه. يعني: لو أن مجنوناً قذف رجلاً لم أرَ عليه شيئاً، ولو قذفه رجل فقال: يا زانٍ لم يكن عليه حدّ))(هامش)، وغيره.
ب.. ما هو الملاك في تصرف الولي أزاء المولّى عليه، هل يكتفي بعدم الضرر للمولّى عليه، أو لابد من حصول النفع له؟
ج: لايعتبر في تصرف الأب والجدّ في الطفل وماله ترتب المصلحة. لما دل على جواز تقييمهما ماله بقيمة المثل عند الحاجة إليه، وعلى تزويجهما له، مع أنه لا فائدة له بهما غالباً. وللسيرة على استخدام الطفل في كثير من الحالات من دون مراعاة نفع له بذلك.
نعم لابد من عدم لزوم المفسدة من التصرف، وعدم كونه تفريطاً عرفاً في حقّ الطفل، لمنافاة الأمرين لمقتضى الولاية عرفاً.
فلايجوز التصرف مع المفسدة، كبيع ماله بأقل من ثمن المثل من دون مصلحة له في ذلك.
كما لايجوز التصرف بما يُعد تفريطاً عرفاً وإن كان فيه مصلحة، كالبيع بأكثر من ثمن المثل قليلاً، مع تيسر البيع بأكثر من ذلك من دون مصلحة أخرى.
بل الأحوط وجوباً في مثل إعمال الحقوق وإسقاطها ـ كهبة المدة في النكاح المنقطع والفسخ في مورد الخيار، والعفو في المقام ـ الاقتصار مع الأمرين السابقين على صورة الحاجة العرفية لذلك ـ بأن يكون عدم القيام بها معرضاً لحدوث مشكلة للصغير ـ أو حصول مصلحة معتدّ بها له، ولو بأن يبذل مال معتد به للطفل بأزاء التصرف المذكور. لعدم وضوح قيام السيرة على ما زاد على ذلك، وعدم النص فيه بالخصوص.
أما غير الأب والجدّ من الأولياء فهم يشاركونهما في أكثر ذلك. نعم يشكل عموم ولايتهم لمثل الزواج من دون حاجة عرفية له.
س27( 1.. إذا لم يتم تنفيذ حكم القصاص للأسباب الآتية، فهل يمكن إيداع الجاني السجن إلى حين تنفيذ الحكم حتى ولو طالت المدة؟
أ.. إذا امتنع أولياء الدم من تسديد فاضل الدية لفقر أو غيره؟
ج: لا ينبغي التأمل في عدم جواز الحبس، لانتظار إقامة الحدّ. لأنه تعد على الجاني منافٍ لقاعدة السلطنة في حقه. خصوصاً مع ابتناء الحدّ على التعجيل.
نعم ورد في جملة من نصوص الرجم أمر الناس بحضوره في اليوم الثاني، والخروج بمن عليه الرجم صباحاً(هامش)، حيث يناسب ذلك الاحتفاظ بالمرجوم تلك الليلة. بل صرّح بالحبس في صحيح أبي مريم عن أبي جعفر (عليه السلام) في من أقرت عند أمير المؤمنين (عليه السلام) بالزنى أربع مرات، قال (عليه السلام): ((فأمر بها فحبست وكانت حاملاً فتربص بها حتى وضعت، ثم أمر بها بعد ذلك فحفر لها حفيرة...))(هامش).
لكن لم يتضح كونه حبساً قهرياً، بل لعله برضا الجانية من أجل إقرارها واستسلامها لإقامة الحدّ في الوقت المناسب.
ومن ثم يشكل الحبس في ذلك أيضاً قسراً على الجاني لو لم يرض به. غاية الأمر أنه يجب على من له إقامة الحدّ التوثق على الحدّ لو تعذر التعجيل به، ومنع الجاني من الفرار لو حاوله، ونحو ذلك من ما يقتضيه الحفاظ على الحدّ من دون تعدٍ عليه.
ولو انحصر الأمر بالحبس لم يبعد جوازه، عملاً بالمرتكزات، خصوصاً إذا كان تعذر التوثق لتقصير من الجاني. لكن لابدّ من الاقتصار على أقصر مدة للتأخير، وأقل مراتب الضرر والتحجير على الجاني، عملاً في ما زاد على مقدار الضرورة بالقاعدة المقتضية للمنع. هذا في الحدود.
وأما القصاص فالأمر فيه كذلك بمقتضى القاعدة، فإن استحقاق ولي الدم للقصاص لا يسوغ السجن الذي هو عقوبة زائدة، بل يتعين عليه التعجيل به، أو إطلاق سراح الجاني على أن يستوفي القصاص منه عند إرادة تنفيذه. إلا مع رضا الجاني بالحبس من أجل التأخير، رغبة في الحياة، أو أملاً للعفو. ولو تعذر التعجيل بالقصاص لم يكن لولي الدم إلا التوثق.
نعم في موثق السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: ((إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحبس في تهمة الدم ستة أيام، فإن جاء أولياء المقتول بثبت، وإلا خلّى سبيله))(هامش). ويتعين العمل به في مورده.
وربما يتعدى عنه لما نحن فيه، فإنه إذا جاز الحبس في المدة المذكورة مع احتمال الجريمة فجوازه مع ثبوت الجريمة وتعذر استيفاء الحق مقتضى الأولوية العرفية. وإن لم يخل الأمر عن إشكال.
ولو فرض البناء على ذلك فاللازم الاقتصار على مقدار الضرورة في التحجير. وأما المدة فلا تتجاوز الستة أيام، ويجب الاقتصار على أقل منها مع الإمكان.
هذا كله في تأخير القصاص بوجه عامّ مع استحقاقه.
وأما في مورد السؤال، وهو امتناع أولياء الدم من تسديد فاضل الدية، فالأمر أظهر. إذ لا حق لهم في القصاص حينئذٍ، ويتعين انتقالهم للدية، ومع عدم استحقاقهم القصاص لا وجه لتوهم جواز الحبس من أجله.
ب.. عدم تأمين حصة الأولياء الصغار للمقتول من طرف الأولياء الذين يريدون القصاص.
ج: لا مجال للحبس في هذا الحال، لما سبق من أنه تعدّ عليه بلا حق. نعم إذا رأى وليّ الصغار عدم الحاجة لإلزامهم بتأمين حصتهم، لعجز القاتل عن تسليم الدية لهم أيضاً، جاز له تسليطهم على القصاص بأمل تجدد القدرة لهم على دفع حصة الصغار من الدية بعد ذلك. وكذا الحال لو علم من الصغار الرضا بالقصاص وعدم اختيار الدية عند بلوغهم... إلى غير ذلك مما يرجع إلى تشخيص الولي لمصلحة الصغار في التسليط على القصاص.
ج.. إذا عفا بعض أولياء المقتول وطلب البعض الآخر القصاص، ولم يؤد حصة الذين طلبوا العفو.
ج: لا مجال للحبس، لنظير ما تقدم في جواب الفقرة السابقة.
د.. إذا لم يتم معرفة أولياء المقتول، أو لم يمكن الوصول إليهم، وحكم الحاكم بثبوت الدية، وعجز المحكوم عليه عن تسديد الدية.
ج: تؤدى دية العمد في سنة من حين ثبوتها. لصحيح أبي ولاد عن أبي عبدالله (عليه السلام): ((قال: كان علي (عليه السلام) يقول: تستأدى دية الخطأ في ثلاث سنين. وتستأدى دية العمد في سنة))(هامش). والمنصرف منه أن مبدأ السنة من حين ثبوت الدية، وهو حين مطالبة الولي بها وانتقاله إليها.
وحينئذٍ لا مجال لحبسه قبل إكمال السنة، لعدم تعديه في التأخير. أما بعدها فهو كسائر المديونين الذين يمتنعون عن أداء الدين أو يعجزون عنه. ويشاركهم في الحكم.
هـ.. إذا تمت المصالحة على الدية، وعجز الجاني من تسديد ها.
ج: لا مجال لحبسه بعد فرض عجزه، كسائر المديونين العاجزين عن أداء دينهم، نظير ماسبق.
و.. إذا انقطع أولياء الدم عن مراجعة المحكمة لحسم القضية.
ج: لا مجال لحبسه. لأن وجوب حفظ الحقوق لأهلها على الحاكم إنما يكون مع مطالبتهم بها، أما مع عدم مطالبتهم بها فليس عليه ـ بل لا يجوز له ـ أن يتبرع بحبس من عليه الحق من أجل حفظ حقهم. وكذا لو طالبوا من أول الأمر ثم انقطعوا عن المطالبة.
أما مطالبتهم بالحقّ من أجل حبس الجاني وإتعابه وإيذائه من دون إنهاء للقضية فهو أمر لا يستحقونه، ليستجيب لهم الحاكم فيه.
ز.. إذ فقدت الآلات اللازمة للإجراء الدقيق للحكم، واستنكف أولياء الدم أو أهل الخبرة من تنفيذ الحكم.
ج: إذا كان عدم التنفيذ لأمر راجع لأولياء الدم فلا وجه للحبس، إذ لا معنى لمطالبتهم بما لا يريدون أن يستوفوه، فضلاً عن أن يطالبوا بالحبس من أجله. وإن لم يكن لأمر راجع لهم ـ كعدم وجود الآلات الصالحة للتنفيذ ـ فيجري فيه ما سبق في الجواب عن أصل السؤال. فليلحظ.
ح.. في الحالة المتقدمة إذا لم يتمكن المحكوم عليه من إرضاء المجني عليه، أو لم يكن لديه المال الكافي لإرضائه.
ج: إذا لم يتمكن من إرضائه كان للمجني عليه التعجيل بالقصاص، وإذا لم يعجّل به فلا حقّ له في حبس الجاني. نعم لو رضي الجاني بالحبس بأمل إقناع المجني عليه وتسوية الحال معه فلا إشكال، كما سبق في الجواب عن أصل السؤال.
2.. إذا كان الجواب بالنفي في الفروض السابقة، فهل يجوز للحاكم إطلاق سراحه بدون قيد أو شرط؟ أو يجب أخذ الضمان عليه؟
ج: يجب عليه إطلاق سراحه بدون قيد أو شرط. نعم إن أمكن التوثق فقد يرى الحاكم الصلاح فيه، دفعاً للمشاكل. لكن لا على أن يبلغ مرتبة التضييق على الجاني، لأن ذلك تعدٍّ عليه، منافٍ لقاعدة سلطنته على نفسه.
نعم في صحيح أبي ولاد: ((سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قتل وله أولاد صغار وكبار، أرأيت إن عفا الأولاد الكبار؟ قال: فقال: لا يقتل. ويجوز عفو الأولاد الكبار في حصصهم، فإذا كبر الصغار كان لهم أن يطلبوا حصصهم من الدية))(هامش)، وفي موثق إسحاق بن عمار عنه عن أبيه (عليهما السلام)((إن علياً (عليه السلام) قال: انتظروا بالصغار الذين قتل أبوهم أن يكبروا، فإذا بلغوا خيّروا، فان أحبّوا قتلوا، أو عفوا، أو صالحوا))(هامش).
وقد يستظهر من هذين الخبرين المفروغية عن قدرة الصغار على تحصيل حقهم من القصاص أو الدية عندما يكبرون، وذلك لا يكون إلا بالتوثق من الجاني، ومنعه من ما يعتصم به منهم، أو يبعد به عنهم.
لكنه يندفع بأن مجرد الحكم باستحقاق الشخص لشيء لا يشعر بقدرته على تحصيل ذلك الشيء، فضلاً عن أن يكون ظاهراً في المفروغية عنه. بل كيف يمكن القول بجواز حبس الجاني هذه المدة الطويلة من أجل تمكين الصغار منه لو أرادوا القصاص أو الدية؟! غاية الأمر أن اللازم على وليّ الأمر محاولة تمكينهم منه عند مطالبتهم بحقهم لو تيسر له ذلك. ومع خوف ضياع حقهم قد يرى وليهم المصلحة في حسم المشكلة باختيار القصاص أو الدية، حسبما يراه الأصلح لهم. وتقدم في جواب السؤال الخامس والعشرين ما ينفع في المقام.
س28( أ.. إذا طلب أولياء الدم مبلغاً زائداً على الدية بعنوان المصالحة ولم يتيسر للقاتل دفعه، فهل يمكن للمحكمة الشرعية تحديد فترة معينة لإجراء القصاص من قبل أولياء الدم، فإذا انقضت المهلة المذكورة يطلق سراح القاتل؟
ج: من ماسبق يتضح أنه يحق لأولياء الدم التعجيل بالقصاص، فإن لم يعجّلوا به لم يستحقوا حبس القاتل، إلا إذا رضي بذلك دفعاً للقصاص بأمل تسوية الأمر مع أولياء المقتول، فحينئذٍ يجوز الحبس ما دام راضياً به، ولا حدّ لذلك.
نعم لما كان الحبس يكلف الدولة فلها أن تشترط على أولياء الدم أمداً معيناً حسبما تراه صلاحاً.
ب.. فإذا جاز إطلاق سراحه، فهل يطلق سراحه بضمان أو بدونه؟
ج: من ماسبق يتضح أنه إن لم يعجل أولياء الدم بالقصاص يطلق سراح القاتل من دون قيد ولا شرط، وأن التوثق لو رآه الحاكم صلاحاً لابد أن يكون بنحو لايقتضي التضييق عليه. وقد تقدم في جواب فقرة(2) من السؤال السابع والعشرين ما ينفع في المقام.
ج.. إذا كان للمقتول ورثة كثيرون فيهم البالغ والقاصر، فإذا كان البالغون يريدون استيفاء القصاص، ولا يستطيعون أداء حق الصغار، فهل يمكن حبس القاتل إلى حين بلوغ الصغار، وإن كانت المدة طويلة؟
ج: لا مجال لذلك، كما يظهر من ما سبق في جواب السؤال السابع والعشرين بفقراته المختلفة.
د.. وإذا كان ذلك جائزاً فما يقال جواباً عن شبهة أن ذلك من مصاديق تحميل جريمتين على المجرم من أجل جريمة واحدة.
ج: الحبس في المقام ليس عقوبة، ليتوجه الإشكال المذكور. بل هو من أجل التحفظ على الحق، نظير ما ورد من حبس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تهمة القتل ستة أيام، كما سبق.
نعم التحفظ بذلك لما كان منافياً لقاعدة السلطنة على النفس في حقه احتاج إلى دليل، ومع عدمه يكون تعدياً عليه محرماً.
س29( بالنسبة للقسامة، يرجى الإجابة عن ما يلي:
أ.. هل توجب القسامة في الجناية العمدية القصاص؟
ج:نعم توجب القسامة القصاص. لإطلاق نصوصها، كصحيح أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام): ((قال: إن الله حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم، حكم في أموالكم أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وحكم في دمائكم أن البينة على المدعى عليه، واليمين على من ادعى، لئلا يبطل دم امرئ مسلم))(هامش)، وموثق زرارة عنه (عليه السلام): ((قال: إنما جعلت القسامة ليغلظ بها في الرجل المعروف بالشر المتهم، فإن شهدوا عليه جازت شهادتهم))(هامش).
وخصوص جملة منها، كمعتبر ابن سنان: ((سمعت أبا عبدالله (عليه السلام): إنما وضعت القسامة لعلة الحوط يحتاط على الناس، لكي إذا رآى الفاجر عدوه فرّ منه مخافة القصاص))(هامش)، وصحيح بريد عن أبي عبدالله (عليه السلام): ((سألته عن القسامة. فقال: الحقوق كلها البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، إلا في الدم خاصة. فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بينما هو بخيبر إذ فقدت الأنصار رجلاً منهم، فقالت الأنصار: إن فلان اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم أقيده [أقده] برمته، فإن لم تجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلاً أقيده برمته، فقالوا: يارسول الله: ما عندنا شاهدان من غيرنا، وإنا لنكره أن نقسم على ما لم نرَه. فوداه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقال: إنما حقن دماء المسلمين بالقسامة، لكي إذا رآى الفاسق فرصة [من عدوه] حجزه مخافة القسامة أن يقتل، فكفّ عن قتله، وإلا حلف المدعى عليه قسامة خمسين رجلاً ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، وإلا أغرموا الدية إذا وجدوا قتيلاً بين أظهرهم إذا لم يقسم المدعون...))(هامش). وقريب منه صحيح زرارة(هامش)، ومعتبر أبي بصير(هامش). كما يشهد بذلك أيضاً ما يأتي في نصاب القسامة.
ب.. وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما هو نصاب القسامة المذكورة؟
ج: نصاب القسامة المذكورة خمسون رجلاً في المشهور المعروف المدعى عليه الإجماع مستفيضاً أو متواتراً، كما في الجواهر. ويقتضيه صحيح بريد المتقدم، وصحيح زرارة ومعتبر أبي بصير المتقدمة إليهما الإشارة، وما يأتي.
نعم ذكر ابن حمزة في الوسيلة أنه لو كان هناك شاهد واحد كفى في القسامة خمسة وعشرون. وكأنه يبتني على قيام الشاهد الواحد مقام الخمسة والعشرين، بعد حمل كل من دليل البينة والقسامة على الانحلال.
لكنه خال عن الشاهد. بل مخالف لظاهر الترتيب بين الشاهدين والقسامة في النصوص، ومنها صحيحا بريد وزرارة المتقدمان.
وأشكل من ذلك ما في الجواهر، حيث قال: ((نعم ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يحصل من خبرهم تواتر)). إذ فيه ـ مع ابتناءه على جواز حكم الحاكم بعلمه، وقد سبق المنع منه ـ: أن التواتر إنما يحصل من الخبر الحسّي، وظاهر نصوص القسامة أنها لاتبتني على الحسّ، بل على الحدس القطعي، لظهور أن خبرهم لو كان حسياً كفى شهادة اثنين منهم من دون قسم، وقد صرح في نصوص القسامة ـ ومنها ماتقدم ـ أنه إنما يحتاج لها مع فقد الشاهدين.
بل هو كالصريح من قول الأنصار في صحيح بريد المتقدم: ((وإنا لنكره أن نقسم على ما لم نرَه))، وقريب منه ما في صحيح زرارة المشار إليه آنفاً وغيره مما تضمن قصة الأنصاري المقتول. لظهوره في المفروغية عن أن المطلوب منهم القسم عن حدس من دون رؤية. وكذا قول الصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة: ((إنما جعلت القسامة احتياطاً للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلاً أو يغتال رجلاً حيث لايراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل))(هامش)، ونحوه أو عينه ما في صحيحه الآخر(هامش). إذ هو صريح في أن القسامة تكون من دون مشاهدة للقتل.
هذا كله في القتل العمدي الذي هو محل الكلام. وأما القتل خطأ فنصاب القسامة فيه خمسة وعشرون، كما صرح به جماعة، وفي الجواهر: ((بل هو المشهور كما اعترف به الفاضل))، ونسبه في الغنية لرواية الأصحاب، مشعراً بإجماعهم عليه، بل هو صريح الشيخ في الخلاف.
لصحيح عبدالله بن سنان: ((قال أبو عبدالله (عليه السلام): في القسامة خمسون رجلاً في العمد، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلاً. وعليهم أن يحلفوا))(هامش). وصحيح ابن فضال ويونس عن الرضا (عليه السلام) ، وخبر أبي عمرو المتطبب فيما عرضه على أبي عبدالله (عليه السلام) من فتاوى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الديات: ((والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلاً، وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلاً، وعلى ما بلغت ديته في الجروح [الجوارح. يب] ألف دينار ستة نفر، وما كان دون ذلك فحسابه [فبحسابه. كافي، تهذيب] من ستة نفر. والقسامة في النفس والسمع والبصر والعقل والصوت ـ من الغنن والبحح ـ ونقص اليدين والرجلين. فهذه ستة أجزاء الرجل))(هامش). وبذلك يخرج عن ما قد يظهر من إطلاق بعض النصوص من أنها خمسون في العمد والخطأ معاً.
ولعل ما في المقنعة والمبسوط والمراسم من إطلاق أن القسامة خمسون محمول على العمد. أما لو أريد به العموم للخطأ ـ كما صرح به في اللمعة ونسبه في الجواهر للعلامة وولده والشهيدين، بل في الروضة أنه الأشهر ـ فهو محجوج بالنصوص المتقدمة بعد اشتمالها على ما هو معتبر سنداً، وبعد عمل الأصحاب بها. ومجرد كونه أوثق في إثبات الحق لاينهض بالخروج عنها، كما لعله ظاهر.
بقي في المقام أمور تتعلق بالقسامة قد تنفع في المقام:
(الأول): من ماسبق في حديث قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) يتضح موارد القسامة، فإن صدره وإن تضمن ثبوتها في النفس، وفي ما بلغت ديته من الجوارح ألف دينار، إلا أن مقتضى الحصر في آخره بالنفس وبالجوارح الستة عدم ثبوتها في ما عداها وإن بلغت ديته ألف دينار، كذهاب الشمّ والنطق، والعجز عن الجماع. وبذلك يخرج عن الإطلاق المتقدم في الصدر.
لكن أطلق الأصحاب ثبوتها في كل ما كان ديته ألف دينار. بل صرح في الخلاف بثبوتها في ذهاب الشمّ، وفي المقنعة بثبوتها في ما دون النفس بحساب الدية. ولا يتضح وجهه بعد ما سبق. وحمل الذيل على مجرد التمثيل من دون حصر، مخالف للظاهر جداً. فلا مخرج عن ما ذكرنا.
(الثاني): يتضح من الحديث المذكور نصاب القسامة في غير النفس، وأنه في ما بلغت ديته ألف دينار ستة نفر، وفي ما نقص منه بالنسبة. وهو الذي صرح به في النهاية والخلاف، ونسب لأتباع الشيخ. قال في الجواهر: ((بل قيل إنه الأشهر، بل في كشف اللثام وغيره أنه المشهور، بل عن الخلاف والمبسوط ظاهر الإجماع، بل عن الغنية الإجماع عليه صريحاً)).
لكن مقتضى ما تقدم من المقنعة أن ما كان ديته دية النفس فنصاب القسامة فيه خمسون أيضاً. وهو المحكي عن كتاب النساء للمفيد وعن سلار وابن ادريس، وربما استفيد من كل من أطلق أن نصاب القسامة خمسون. وكيف كان فهو مخالف للحديث المتقدم، المروي بطرق متعددة، منها ما هو معتبر في نفسه، والذي عمل به من عرفت. ومن ثم لامجال للخروج عنه.
(الثالث): ذكر الأصحاب(رضيه الله عنهم) إن القسامة إن نقصت عن النصاب ضوعفت عليهم الأيمان حتى يكملوا النصاب. بل قد يظهر من بعض عباراتهم ـ كما في الشرايع ـ أن المعيار في النصاب بالأصل هو عدد الأيمان، لا عدد الحالفين. وقد يستدل على ذلك بوجوه..
(أولها): أن ذلك هو المفهوم من نصوص القسامة، وأن ذكر عدد الحالفين من أجل عدد الأيمان. لكنه كما ترى مخالف لظاهر ذكر عدد النفر في النصوص جداً.
(ثانيها): إلغاء خصوصية عدد النفر، لأن المناط عدد اليمين. وفيه: أنه تحكم لا شاهد له، ولاسيما وأن تعدد اليمين بتعدد الحالفين أوثق من تعدده من حالف واحد. بل كلما كثر عدد المخبرين ـ ولو عن حدس ـ كان ثبوت المخبر عنه أقرب، فضلاً عما إذا حلفوا.
(ثالثها): قوله في حديث قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ماسبق من حديث القسامة وأنها في الجوارح ستة نفر: ((تفسير ذلك: إذا أصيب الرجل من هذه الأجزاء الستة [و] قيس ذلك، فإن كان سدس بصره أو سمعه أو كلامه أو غير ذلك حلف هو وحده، وإن كان ثلث بصره حلف هو وحلف معه واحد... وإن كان بصره كله حلف هو وحلف معه خمسة نفر. وكذلك القسامة في الجروح كلها. فإن لم يكن للمصاب من يحلف معه ضوعفت عليه الأيمان. فإن كان سدس بصره حلف مرة واحدة، وإن كان الثلث حلف مرتين... وإن كان كله حلف ستّ مرات...)). وهو وإن اختص بالقسامة في الجوارح، إلا أن التعدي للقسامة في النفس قريب جداً، لأنها ذكرت في الحديث في مساق واحد، فيقرب كشفه عن أن معيار القسامة وملاكها في الجميع هو عدد الأيمان، لا عدد الحالفين.
وفيه ـ بعد تسليم ذلك ـ: أن الظاهر كون التفسير المذكور خارجاً من الحديث، قد ألحقه به بعض رجال السند. واستظهر في الجواهر وغيره أنه من الكليني. وإن كان هو لايناسب ذكر الشيخ له في التهذيب مع روايته للحديث من غير طريق الكليني. إلا أن يكون قد أخذه من الكليني استحساناً له. وكيف كان فمن القريب خروج التفسير المذكور عن الحديث، لاختلاف أسلوبه عنه.
بل لاينبغي التأمل في ذلك بعد ملاحظة أن الكليني(هامش) والشيخ في موضع من التهذيب(هامش) وإن ذكرا هذه الفقرة عند ذكر قطعة من الحديث تتعلق بالقسامة، إلا أن الصدوق والشيخ قد ذكرا الحديث بتمامه في الفقيه(هامش) وموضع آخر من التهذيب(هامش) خالياً عنها.
نعم صرح في الحديث بعد ذلك ـ بفاصل كثيرـ بالاكتفاء بمضاعفة اليمين في ذهاب بصر العين أو نقصه، ثم ألحق به السمع(هامش).
لكن يتعين الاقتصار على مورده، وهو تحديد النقص الحاصل من الجناية بعد فرض تحققها من الجاني والمفروغية عن ذلك، دون ما نحن فيه من الشك في أصل قيام المدعى عليه بالجناية، فضلاً عن التعدي لسائر موارد القسامة، حتى النفس، خصوصاً مع دعوى الجناية العمدية التي فيها القصاص.
(رابعها): صحيح مسعدة بن زياد عن جعفر (عليه السلام): ((قال: كان أبي(رضي الله عنه) إذا لم يقم القوم المدعون البينة على قتل قتيلهم، ولم يقسموا بأن المتهمين قتلوه، حلّف المتهمين بالقتل خمسين يميناً بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلاً، ثم يؤدي الدية إلى أولياء القتيل. ذلك إذا قتل في حيّ واحد، فأما إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال))(هامش). ومقتضى إطلاقه الاكتفاء بخمسين يميناً، ولو بمضاعفة اليمين على أقل من خمسين رجلاً.
وفيه (أولاً): أنه وارد في يمين المدعى عليهم، لدفع الدية عنهم، لا في يمين المدعين لإثبات قيام المدعى عليهم بالجناية من أجل استحقاق القصاص أو الدية عليهم، الذي هو محل الكلام. والتخفيف في نفي الدعوى المطابق للأصل لا يستلزم التخفيف في إثبات الدعوى على خلاف الأصل، خصوصاً دعوى القتل وما تستلزمه من قسوة العقوبة.
(وثانياً): أنه كما أطلق في الصحيح المذكور الاكتفاء بخمسين يميناً من المدعى عليهم صرح في نصوص أخر بتفسير قسامة المدعى عليهم بخمسين رجلاً، كما تقدم في صحيح بريد. ونحوه قوله (عليه السلام) في معتبر أبي بصير: ((وإن لم يقسموا فإن على المدعى عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلاً...))(هامش)، وقريب منه قوله (عليه السلام) في خبر علي بن الفضل: ((إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلاً، فإن أبوا أن يحلفوا أغرموا الدية...))(هامش).
والظاهر أن تنزيل إطلاق صحيح مسعدة على النصوص المذكورة بحمل الخمسين يميناً على ما يكون من خمسين رجلاً أقرب عرفاً من تنزيل تلك النصوص على صحيح مسعدة بإلغاء خصوصية عدد الحالفين، فيتعين في مقام الجمع بين النصوص. ولا أقل من التوقف والرجوع للأصل المقتضي لعدم الاكتفاء بتضعيف اليمين.
ومن ثم لا مجال للعمل بإطلاق صحيح مسعدة في مورده ـ وهو قسامة المدعى عليهم ـ فضلاً عن التعدي منه لقسامة المدعين.
هذا وبعض مشايخنا? في مباني تكملة المنهاج بعد أن استشكل في الاكتفاء بمضاعفة اليمين، قال: ((نعم يؤكد ذلك ما ورد في غير واحد من الروايات من أن القسامة إنما جعلت احتياطاً للناس، لئلا يغتال الفاسق رجلاً فيقتله، حيث لا يراه أحد، فإذا كانت علة جعل القسامة ذلك فكيف يمكن تعليق القود على حلف خمسين رجلاً؟ فإنه أمر لا يتحقق إلا نادراً فكيف يمكن أن يكون ذلك موجباً لخوف الفاسق من الاغتيال؟!)).
ويشكل بأنه بعد أن كانت شهادة القسامة عن حدس للقرائن المحيطة بالجناية، فكما يمكن حصول القناعة منها للقليل يمكن حصولها للكثير، وهو كافٍ في خوف الفاسق بنحو يمنعه من القيام بالجناية تحفظاً على نفسه. وإلا فليس اهتمام الشارع الأقدس بالتحفظ من وقوع الجناية بنحو يكشف عن قلة اهتمامه بالمتهم بها، بحيث يحرز اكتفاؤه في ثبوت التهمة عليه بتضعيف اليمين، مع ظهور النصوص في خلاف ذلك، خصوصاً إذا كانت الجناية موجبة للقصاص وهدر الدم.
فلم يبق في المقام إلا الإجماع المدعى في الخلاف على الاكتفاء بخمسين يميناً من ولي الدم، وما في الغنية من الإجماع على القسامة بالتفصيل الذي ذكره الأصحاب، المؤيدان بذكر غير واحد لذلك بنحو يظهر في المفروغية عنه، كما يناسبه التفسير المتقدم لحديث قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وعدم ظهور الخلاف منهم في ذلك.
ومن ثم لم يستبعد بعض مشايخنا? في مباني تكملة المنهاج تحقق الإجماع الحجة، مع ما هو المعلوم من سليقته من عدم تسرّعه في التعويل على ا لإجماع وتشكيكه في حصوله بنحو ينهض بالحجية.
لكن يصعب الركون إليه في مثل هذه المسألة التي هي ليست مورداً للابتلاء في عصور الأئمة (عليهم السلام)وما قاربها، وليس الكلام فيها إلا علمياً محضاً، حيث لايبعد ابتناؤه على الاجتهاد منهم، وتخيل أن اعتبار تعدد الحالفين من أجل تعدد اليمين، ولاسيما مع ثبوته في الجملة في بعض الموارد، كماتقدم في حديث قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام).
ومن ثم يشكل الخروج عن ظهور نصوص القسامة على كثرتها في اعتبار تعدد الحالفين من دون إشارة في شيء منها للاكتفاء بتضعيف اليمين.
(الرابع): ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) أن القسامة تختص باللوث، وهو ما إذا كان هناك أمارة على القتل في شخص خاص أو جماعة معينة، كوجود القتيل في حيّ خاص حيث يناسب ذلك كون القاتل منهم، أو وجود شخص عند القتيل ملطخ بالدم، أو حامل لسلاح ملطخ به، أو نحو ذلك.
قال في الجواهر: ((لا ريب في اعتباره عندنا فيها، من غير فرق بين النفس والأعضاء، وإن حكي عن الشيخ في المبسوط عدم اعتباره في الثاني، لكن لم نتحققه... بل عن السرائر: أن عليه في النفس إجماع المسلمين، وفي الأعضاء إجماعنا... وفي الغنية: والقسامة لا تكون إلا مع التهمة بأمارات ظاهرة. يدل على ذلك إجماع الطائفة...)).
ولا يخفى أن ذلك وإن كان مناسباً لمورد تشريع القسامة في نصوصها المتقدمة، كصحيح بريد، وصحيح زرارة ومعتبر أبي بصير المشار إليهما، وغيرها. إلا أنه لا يكفي في التقييد بعد إطلاق بعض نصوصها، كموثق أبي بصير المتقدم وغيره من ما يأتي الكلام فيه.
وقد استدل بعض مشايخنا? في مباني تكملة المنهاج على اعتبار اللوث بوجهين:
(الأول): ما تضمنه غير واحد من نصوص القسامة ـ ومنها موثق زرارة ومعتبر ابن سنان المتقدمان ـ من تعليل تشريع القسامة بحجز الفاجر والمعروف بالشر المتهم عن القتل، حيث يدل ذلك على عدم تشريعها إلا مع كون المتهم فاسقاً معروفاً بالشرّ، وهو معنى اللوث.
وفيه (أولاً): أنه كما ورد التعليل بذلك ورد التعليل بأنه لولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً ثم لم يكن شيء، كما في صحيحي الحلبي وعبدالله بن سنان(هامش). ولا تنافي بين التعليلين، بنحو يقتضي حمل الثاني على الأول.
(وثانياً): أن مجرد كون الرجل فاجراً معروفاً بالشرّ لا يكفي في اللوث، بل لابد فيه من أمارة على تورطه بالجريمة، مثل ما سبق.
(وثالثاً): أن التعليل بمنع الفاجر المعروف بالشر عن القتل لا يقتضي اختصاص تشريعها به أو بما يشبهه، نظير ما لو قيل: إنما جعلت البينة حجة ليخفي الفاسق فسقه، فإنه لا يقتضي اختصاص حجية البينة بالفاسق، أو بالمحرمات.
(الثاني): ما تضمنه غير واحد من النصوص ـ ومنها ما تقدم ـ من أن القسامة إنما جعلت للاحتياط على الناس. إذ لا احتياط مع عمومها لغير صورة اللوث، حيث يمكن للفاسق الفاجر أن يدعي القتل على شخص من دون لوث، ثم يأتي بالقسامة، فيذهب دم المسلم هدراً.
وفيه: أنه لا يسهل تحصيل القسامة الكاذبة. ولو فرض تحصيلها فهي كما توجب هدر الدم ظلماً بدون لوث توجب هدره ظلماً مع اللوث.
هذا كله مع أن النصوص المشتملة على التعليلين المذكورين وغيرهما ظاهرة في بيان الفائدة والحكمة، لا العلة التي يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً لتنهض بتقييد الإطلاق.
ولعل الأولى الاستدلال على اعتبار اللوث في القسامة بقوله (عليها السلام) في ذيل صحيح مسعدة بن زياد المتقدم بعد ذكر القسامة: ((ذلك إذا قتل في حيّ واحد. فأما إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال)). لقرب كون التقييد المذكور بلحاظ أن القتل في حيّ واحد موجب للظن بأن القاتل منهم، فتشرع القسامة، ولا تدفع دية القتيل من بيت المال إلا حين تتعذر القسامة ويبرأ المتهمون بالقتل منه بيمينهم، بخلاف ما لو كان القتل في عسكر أو سوق، حيث لا منشأ غالباً لاتهام جماعة خاصة به، ولو فرض اتهام ولي الدم لشخص خاص أو جماعة خاصة به كان خالياً عن الأمارة واللوث، فلا تشرع معه القسامة، بل تؤدى الدية من بيت المال رأساً.
ومثله في ذلك قوله? في معتبر أبي بصير: ((إن الله عزوجل حكم في الدماء ما لم يحكم في شيء من حقوق الناس، لتعظيمه الدماء. لو أن رجلاً ادعى على رجل عشرة آلاف درهم أو أقل من ذلك أو أكثر لم يكن اليمين على المدعي، وكانت اليمين على المدعى عليه. فإذا ادعى الرجل على القوم أنهم قتلوا كانت اليمين لمدعي الدم قِبل المدعى عليهم، فعلى المدعي أن يجيء بخمسين يحلفون... وإن كان بأرض فلاة أديت ديته من بيت المال، فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: لا يبطل دم امرئ مسلم))(هامش). لظهور ذيله في عدم شرعية القسامة في قتيل الفلاة لو اتهم ولي الدم شخصاً أو جماعة بقتله، وأن ما في صدره من أن الحكم في الدماء بغير الحكم في الأموال لا يشمله. والظاهر أن منشأ ذلك عدم اللوث.
على أن ثبوت الإطلاق لدليل القسامة بنحو يشمل عدم اللوث لا يخلو عن إشكال. أما معتبر أبي بصير هذا فظاهر بعد استثناء قتيل الفلاة.
وبعبارة أخرى: قوله (عليه السلام) أولاً: ((إن الله عزوجل حكم في الدماء ما لم يحكم في شيء من حقوق الناس)) إنما يقتضي اختلاف حكم الدماء عن غيرها من الحقوق، وأن البينة فيها على المدعي في الجملة، في مقابل عدم ثبوتها عليه كلية في بقية الحقوق، لأن نقيض السلب الكلي هو الثبوت في الجملة، لا مطلقاً. وقوله (عليه السلام) بعد ذلك: ((فإذا ادعى الرجل على القوم أنهم قتلوا كانت اليمين لمدعي الدم...)) وإن كان له إطلاق يشمل صورة عدم اللوث، إلا أن استثناء قتيل الفلاة في ذيله مانع من الإطلاق المذكور.
وكذا قوله (عليه السلام) في صحيح بريد المتقدم: ((الحقوق كلها البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، إلا في الدم خاصة، فإن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلّم بينما هو بخيبر إذ فقدت الأنصار...)). فإن استثناء الدم إنما يقتضي كونه على خلاف الحقوق في جعل اليمين على المدعي في الجملة، لا مطلقاً، لأن الاستثناء من السلب الكلي إنما يقتضي الإيجاب في الجملة لا مطلقاً. ولاسيما مع تعقيب الاستثناء المذكور وشرحه بقضية خيبر التي هي في مورد اللوث.
فلم يبق إلا قوله (عليه السلام) في موثق أبي بصير المتقدم: ((إن الله حكم في دمائكم بغير ما حكم في أموالكم، حكم في أموالكم أن البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، وحكم في دمائكم أن البينة على المدعى عليه، واليمين على من ادعى، لئلا يبطل دم امرئ مسلم))(هامش). فإن مقتضى إطلاقه قبول يمين المدعي في الدماء مطلقاً ولو مع عدم اللوث.
إلا أنه حيث لا إشكال في قبول بينة المدعي في الدم وتكليف المدعى عليه باليمين مع عدمها، يتعين حمل الكلام المذكور على تشريع قبول اليمين من المدعي في الجملة في مقابل السلب الكلي في الأموال، نظير ما تقدم في الحديثين السابقين، أو إجماله من هذه الجهة، فلا ينهض بإطلاق قبول يمين المدعي مع عدم اللوث.
ولاسيما مع كون اليمين الذي يكلف به المدعي في الدم غير اليمين الذي يكلف به المدعى عليه في الأموال، للاكتفاء في الثاني بيمينه من غير تغليظ واعتبار قسامة الخمسين في الأول. حيث يناسب ذلك كونه (عليه السلام) في مقام الإشارة بكلامه هذا إلى أمر معهود، من دون أن يكون إطلاقه وارداً لبيانه.
ومن ثمّ يصعب جداً تحصيل إطلاق يقضي بتشريع القسامة مع عدم اللوث، ليحتاج للخروج عنه بدليل. وإن كان الظاهر وفاء ما سبق في صحيح مسعدة ومعتبر أبي بصير بذلك، كما تقدم. خصوصاً مع اعتضادهما بما تضمنته النصوص من أن أصل تشريع القسامة في قضية قتل الأنصاري بخيبر، وأن السنة إنما جرت بها في تلك الواقعة، وهي من موارد اللوث قطعاً.
لعله لذا كان المفروغ عنه بين الأصحاب بل المسلمين عموماً اختصاصها باللوث، حيث يقرب جداً ابتناء ذلك منهم على فهمهم له من مساق أدلة تشريعها.