س13( في الموارد التي تضمنت الأدلة شكلاً خاصاً في إجراء الحدّ وبآلات خاصة -
ـ كالرجم والقتل بالسيف ـ يرجى الإجابة عن ما يلي:
أ.. هل للكيفية الخاصة والآلات المنصوصة موضوعية في الحكم أولا؟
وبعبارة أخرى: في الموارد المذكورة هل غرض الشارع الأقدس مجرد القتل وإزهاق الروح من دون موضوعية للكيفية والآلات المذكورة في النصوص، أو لابد من المحافظة على خصوصية الكيفية والآلات، لموضوعيتها في الحدّ؟
ج: يختلف ذلك باختلاف الموارد، فقد يستفاد من النصوص عدم خصوصية الآلة، كما في صحيح الحلبي وأبي الصباح الكناني عن أبي عبد الله (عليه السلام): ((سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتى مات، أيدفع إلى ولي المقتول فيقتله؟ قال: نعم. و[لكن. ئل] لا يترك يعبث به، ولكن يجيز عليه بالسيف))(هامش)، حيث يقرب كون ذكر السيف فيه لأنه الآلة الشايعة للقتل من دون تعذيب، فلا مانع من استبداله بالآلات الحديثة المماثلة له في عدم التعذيب.
وقد يستفاد منها خصوصية الآلة والكيفية وموضوعيتهما، كما في الرجم وعقوبات اللواط المتعددة، لصراحة نصوصها في دخل خصوصياتها وموضوعيتها.
ب.. في حالة كون الشكل والآلة الخاصة لها موضوعية ـ كما في حدّ الرجم وعقوبات اللواط المتعددة بالأشكال المنصوصة ـ ففي بعض الحالات يكون إجراء الحدّ بالوجه المعتبر شرعاً موجباً لوهن النظام الإسلامي المقدس، ومخالفاً لمصلحة الإسلام والمسلمين، حيث يوجب انطباعاً سيئاً عن الإسلام، ويعكس صورة من العنف فيه، وفي النظام الإسلامي، فهل يمكن في هذا الحال القيام بالقتل بشكل آخر غير مثير؟
ج: هذا تحريف للحدّ وتلاعب بالتشريع يتضمن اعترافاً مبطناً بخطأ الإسلام في معالجة المشكلة. وإذا كان لذلك الأثر في تحسين صورة النظام الإسلامي أمام الأعداء، فهو في الوقت نفسه سبب في تشويه حقيقة النظام، وتبشيع صورته أمام الأولياء، وفي تنفرهم منه.
على أن جعل الحدّ بالوجه المنصوص شرعاً يبتني على نظرة الإسلام لبشاعة الجريمة، واهتمامه بالحدّ منها، والإنكار عليها بالوجه الرادع. والنظرة الإسلامية المذكورة تناقض المفاهيم القائمة في جوّ الأوضاع العلمانية المتحللة المعاصرة، والتي وصل بها الأمر للدعوة إلى تشريع القوانين المبيحة للانحراف الجنسي بوجوهه المختلفة والتعايش مع واقع الانحراف والتحلل، بنحو يجعلهما مألوفين في المجتمع.
ونتيجة للتناقض المطلق بين العلمانية والإسلام، وتهديد الإسلام لمصالـح القوى المعاصرة بنحو أوجب شدة معاداتها له، فإنها تستغل التناقض بين النظرتين من أجل الضغط في الاتجاه المعاكس للتشريع الإسلامي، ومحاولة تبشيع صورته. والتراجع أمام هذه المحاولة في الخطوة الأولى التي أشير إليها في السؤال لا ينهي المشكلة، بل يزيدها تعقيداً، لأنه في الحقيقة انتصار لتلك القوى، يرفع معنوياتها، ويكسبها الثقة بنفسها في مقاومة الإسلام، وإرغامه على التراجع، فيزيدها تكالباً عليه، وشراسةً في مقاومته من أجل الانتصار في الخطوات اللاحقة، للقضاء عليه وعلى تشريعه ونظرته للجريمة حتى النهاية.
فاللازم الحذر من التراجع أمام هذه الضغوط مهما كان الثمن حتى ييأس العدوّ من تحقيق مقاصده وأهدافه الخبيثة. وقد تقدم في جواب السؤال الثاني والثالث والرابع ما ينفع في المقام، كما يأتي أيضاً في جواب السؤال الثامن والثلاثين، والستين.
س14( في الموارد التي يلزم فيها قتل المجرم من دون تعيين نوع السبب، هل يجب اختيار أقل الأنواع ألـماً على المحكوم؟
ج: مقتضى إطلاق الخطاب بالقتل هو تخيير من له حقّ القيام به وفق الطرق المتعارفة في عصور التشريع.
والفرق بين الإطلاق المذكور وسائر الخطابات ـ حيث لا نلتزم بتقييدها بالطرق المتعارفة في عصور الخطاب ـ : أن التخيير هنا ينافي السلطنة في حق المحكوم، كما ينافي ارتكاز عدم ابتناء التشريع على التشفي والانتقام والإيذاء، ولذا ورد النهي عن العبث بالمقتصّ منه والتلذذ في كيفية قتله، بل يجهز عليه بالسيف. ففي صحيح الحلبي وخبر الكناني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قالا: ((سألناه عن رجل ضرب رجلاً بعصا، فلم يقع عنه الضرب حتى مات، أيدفع إلى ولي المقتول فيقتله؟ قال: نعم.
و[لكن. ئل] لا يترك يعبث به، ولكن يجيز عليه بالسيف))(هامش)، ونحوه غيره. ولذا لا يظن بأحد البناء على جواز القتل بمثل التجويع وتمزيق البدن.
ومن هنا يلزم الاقتصار على التخيير بين ما تعارف من الطرق في عصور التشريع ـ كما ذكرنا ـ رفقاً بالمحكوم، وحفظاً لحقه في السلطنة على نفسه، وعدم الخروج عنه لما هو الأشد.
بل يشكل اختيار الأخف، لو احتمل اهتمام الشارع بالتنكيل بالجاني في كيفية القتل، فمع فرض حمل الإطلاق على المتعارف في عصور الخطاب لا قرينة على الاكتفاء بالأخف. ولا ينافي ذلك مايأتي في جواب السؤال الثالث والثلاثين من جواز تخدير الجاني، لأن التخدير أمر خارج عن القتل. هذا كله في غير القصاص.
أما في القصاص فمقتضى القاعدة جواز المساواة في طريقة القتل مع القتل الأول الذي يجب لأجله القصاص، وإن كان أشد من الطرق المتعارفة. لإطلاق أدلة القصاص، وخصوص قوله تعالى: [فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم](هامش)، وقوله سبحانه: [وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به](هامش). إلا أنه يجب الخروج عن الإطلاق المذكور بالنصوص السابقة.
نعم يجوز اختيار الأخف إذا رضي به وليّ الدم المقتص، لأن له التنازل عن حقه، من دون أن تمنع منه النصوص السابقة، لورودها في مقام المنع من الأشدّ.
س15( إذا حكم على المجرم بالموت لسبب من الأسباب وأجري عليه الحدّ، وقبل الدفن ـ في المجمدة أو في الطب العدلي ـ ظهر فيه بعض علامات الحياة، بحيث يمكن إبقاء حياته وشفاؤه بالمداواة، فيرجى الجواب عن ما يأتي:
أ.. هل يعاد عليه الحدّ؟
ج: لابد من إكمال الحدّ، ولو بإبقاء المحدود حتى يموت من غيره مداواة، بحيث يستند موته للحدّ، تحقيقاً للمطلوب، وهو الحدّ الذي يتحقق به الموت.
ب.. هل يفرق بين الحدّ والقصاص؟
ج: لا يفرق في ذلك. فإذا ضرب الولي المقتص منه ضربة تجهز عليه كان له حبسه حتى تجهز عليه.
نعم لو ظن أنه قتله وتركه، فتبين أن به رمقاً، وبعد التداوي استقرت حياته، فالأحوط وجوباً سقوط القصاص بذلك. لرواية أبان بن عثمان عن من أخبره عن أحدهما (عليها السلام): ((قال: أتي عمر بن الخطاب برجل قد قتل أخا رجل، فدفعه إليه وأمره بقتله، فضربه الرجل حتى رأى أنه قد قتله. فحمل إلى منزله، فوجدوا به رمقاً، فعالجوه فبرئ. فلما خرج أخذه أخو المقتول الأول، فقال: أنت قاتل أخي، ولي أن اقتلك. فقال: قد قتلتني مرة، فانطلق به إلى عمر، فأمر بقتله. فخرج، وهو يقول: والله قتلني مرة. فمروا على أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبره خبره، فقال: لا تعجل حتى أخرج إليك، فدخل على عمر، فقال: ليس الحكم فيه هكذا. فقال: ما هو يا أبا الحسن؟ فقال: يقتص هذا من أخي المقتول الأول ما صنع به، ثم يقتله بأخيه. فنظر الرجل أنه إن اقتص منه أتى على نفسه، فعفا عنه وتتاركا))(هامش).
وقد استشكل في الاستدلال بضعفها، لاشتمال سندها إلى أبان في الكافي على إرسال، وفي التهذيب على إبراهيم بن عبدالله الذي لا نصّ على توثيقه. ولإرسال أبان لها عن أحدهما (عليها السلام)، كما سبق.
وأما أبان نفسه فلا إشكال في وثاقته بعد عدّ الكشي له من أصحاب الإجماع، معتضداً برواية البزنطي عنه الذي قيل عنه إنه لايروي إلا عن ثقة، وبكونه من رجال تفسير القمي وكامل الزيارات. ولا يهمّ مع ذلك الخلاف فيه، وأنه ناووسي وقف على أبي عبدالله (عليه السلام)، أو فطحي، أو واقفي، أو أنه رجع إلى الحق. فالعمدة ماسبق.
وقد حاول في الجواهر تصحيح الحديث، لرواية الصدوق له في الفقيه بطريقه الصحيح عن أبان، حيث قال: ((وفي رواية أبان بن عثمان أن عمر بن الخطاب أتي برجل...)).
لكنه كما ترى، فإن رواية الصدوق لم تشتمل على سند أبان للقضية المذكورة، ولم ينسبها لأحد الإمامين المعاصرين له، وهما الصادق والكاظم (عليها السلام) فهي مرسلة أيضاً. ولعل طريقه إليها هو الطريق المذكور في الكافي والتهذيب المشتمل على الإرسال.
نعم يظهر من الكليني والصدوق التعويل عليها، وهو الظاهر من التهذيب، وصريح النهاية، وكذا من محكي السرائر والوسيلة في الجملة. ومن ثم يصعب إهمالها. وإن كان التعويل عليها مع ذلك لا يخلو عن إشكال. ولذا ألزمنا بالاحتياط.
هذا وما تضمنته الرواية من بقاء حقّ القصاص في الجملة لولي المجني عليه الأول، هو الذي تقتضيه القاعدة، لعدم استيفاء حقه بما صدر منه أولاً.
نعم هي مخالفة للقاعدة في توقف القصاص على الاقتصاص منه بما فعله بالجاني..
(أولاً): لأنه لم يفعله بنحو العدوان، بل بتخيّل استيفاء حقه به، فهو من سنخ الخطأ، كما لو قتل غير الجاني لتوهم أنه الجاني، أو اقتص من الجاني في الجروح بما لا يماثل جنايته بتخيل مماثلته له.
(وثانياً): لعدم مشروعية القصاص في مثل الجروح المذكورة من ما لا ينضبط، وقد يؤدي إلى إزهاق النفس، إجماعاً، ونصوصاً في الجملة. لحرمة تعريض نفس الجاني للخطر بعد عدم أداء جنايته لتلف النفس. ويأتي بعض الكلام في ذلك في جواب الفقرة العاشرة من السؤال الواحد والخمسين.
ومن ثم لا يبعد كون ما تضمنته الرواية ـ من توقف قتل الولي للجاني على اقتصاص الجاني منه من ما فعل به ـ لمجرد التعجيز عن قتل الولي للجاني، وبيان عدم مشروعيته بعد ما فعل بالجاني ما فعل. وإلا فمن البعيد جداً رضاه (عليه السلام) بذلك لو أقدم عليه الولي عناداً، أو انتقاماً، أو كان المباشر غير الولي، ولا يبالي الولي بتعرضه للموت.
وعلى ذلك فالذي تقتضيه القاعدة هو استحقاق الجاني الدية على الولي لما فعل به. واستحقاق الولي قتله قصاصاً عن جنايته بعد عدم استيفاء حقه بما فعله أولاً.
لكن في الجواهر أن مقتضى القاعدة ـ مع قطع النظر عن الرواية ـ عدم ضمان شيء من جراحات الجاني، لا قصاصاً، ولا دية، قال: ((لأنه مهدور الدم بالنسبة إليه، كتاباً، وسنة، وإجماعاً. نعم تحرم المثلة عندنا، وتجب كيفية خاصة في الاقتصاص منه. ولكن ذلك كله من الأحكام الشرعية التي لا يترتب عليها غير التعزير والإثم، لا الضمان)).
وهو كما ترى، فإن هدر دمه إنما هو بمعنى جواز قتله قصاصاً، لا بمعنى سقوط حرمته، بحيث يصير كالكافر الحربي، لا حرمة لجرحه في غير القصاص، كما هو المفروض في المقام من عدم ترتب القصاص على جرحه.
وأما ما ذكره(قدس سرة) من أن الخروج عن الكيفية الواجبة في القصاص ـ وهي الإجهاز عليه بالسيف من دون تعذيب له ـ لايترتب عليها غير الإثم والتعزير من دون ضمان. فهو ـ لو تم ـ إنما يجري في القتل بالكيفية المشتملة على التعذيب ـ كضربه بالسوط حتى يموت، أو بجروح خفيفة حتى ينزف ويموت ـ لا في النيل منه بما لا يميت من الضرب أو الجرح أو الخنق، ثم قتله بالسيف. حيث لا وجه لسقوط حرمته في ذلك ـ بحيث لاضمان فيه ـ بعد خروجه عن ما يستحق عليه من القتل قصاصاً. فلا مخرج عن ما ذكرنا.
نعم قد يشكل بأن استحقاق القصاص على الجاني بعد الذي فُعِل به مستلزم لإيلامه نفسياً بالاستسلام للقتل مرتين، مع أن المستحق عليه بالجناية هو تحمل الألم النفسي بذلك مرة واحدة.
لكن الجانب النفسي وإن كان مهماً جداً، إلا أن ملاحظة الشارع الأقدس له في الجنايات غير ثابتة. بل الثابت عدمها في الجملة، لأن الجناية الموجبة للقصاص قد لا تبتني على معاناة المجني عليه نفسياً بانتظار القتل، فإن القصاص كما يثبت مع القتل صبراً يثبت مع القتل مباغتة من دون انتظار من المقتول.
ج.. على فرض لزوم إجراء الحدّ مرة ثانية فمن يتحمل دية ما ورد على الجاني أولاً؟
ج: يتحمله المباشر الذي شرع في تنفيذ الحكم أولاً ولم يكمله. هذا إذا فرض البرء واستقرار الحياة، وهو غير مفروض السؤال. أما في مفروض السؤال فيجب الإجهاز لا غير، ولو بتركه من غير مداواة، ولا ضمان لما وقع.
س16( بالنسبة للمحكوم بالقصاص، إذا اختار أولياء الدم إعدامه شنقاً، وقبل لحظات من زهوق الروح عفا بعض أولياء الدم، فيرجى الجواب عن ما يلي:
أ.. هل يجب إيقاف التنفيذ أو ينتظر موافقة الجميع؟
ج: لابد من التنبيه قبل ذلك على أنه ليس لأولياء الدم اختيار كيفية تنفيذ القصاص، بل لهم تنفيذه بالسيف بنحو يجهز عليه من دون تعذيب، أو بما يشبه السيف في ذلك. وليس لهم اختيار طريق أشدّ إيذاء، كما سبق في جواب السؤال الرابع عشر. وعلى ذلك لا يجوز للحاكم اختيار الشنق إذا كان أشدُ تعذيباً من الإجهاز بالسيف.
إذا عرفت هذا ففي مورد السؤال وإن لم ينفذ عفو بعض أولياء الدم على الآخرين، لأن لكل منهم الاستقلال في القصاص، إلا أنه يتعين التوقف عن تنفيذ القصاص إلا بعد ردّ الذي يريد القصاص على ورثة الجاني من الدية بنسبة حقّ الذي عفا.
لصحيح أبي ولاد: ((سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن رجل قتل وله أم وأب وابن، فقال الابن: أنا أريد أن أقتل قاتل أبي، وقال الأب: أنا أريد أن أعفو. وقالت الأم: أنا أريد أن آخذ الدية. قال: فليعطِ الابن أم المقتول السدس من الدية، ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية حقّ الأب الذي عفا، وليقتله))(هامش).
لظهور الأمر فيه بأداء فاضل الدية في بيان شرط جواز القتل له، والمنصرف منه الشرط المتقدم.
نعم في صحيح جميل عن بعض أصحابه رفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) :((في رجل قتل وله وليّان، فعفا أحدهما، وأبى الآخر أن يعفو. قال (عليه السلام) إن أراد الذي لم يعف أن يقتل قتل، وردّ نصف الدية على أولياء المقتول المقاد منه))(هامش).
وهو ظاهر في عدم اشتراط جواز تنفيذ القصاص بردّ فاضل الدية، وإنما يكون تنفيذ القصاص سبباً لوجوب ردّ فاضل الدية، فيترتب وجوب الردّ عليه.
لكن ضعف سنده مانع من الخروج به عن ظاهر الصحيح، بل يتعين العمل على الصحيح. ولذا كان الظاهر عدم جواز تنفيذ القصاص لو كان الذي لم يعف عاجزاً عن ردّ فاضل الدية.
ولعله لذا صرح في الشرايع بتقديم ردّ فاضل الدية على القصاص، وفي الجواهر أنه ظاهر كثير من العباير.
ب.. نظراً إلى أنه إذا عفا بعض أولياء الدم فللآخرين القصاص إذا دفعوا لورثة الجاني بقدر حقّ العافين من الدية، فلو قلنا بوجوب التوقف عن تنفيذ القصاص في الفرض السابق، فهل يبقى لباقي الأولياء حقّ القصاص مع ردّ فاضل الدية أو يسقط حقهم منه (خصوصاً إذا تكرر ذلك منهم بنحو التعاقب)؟
ج: يتعين بقاء حقهم في القصاص، لإطلاق أدلة الحكم المذكور. نعم إذا كان ما حدث على الجاني مقارباً للإجهاز عليه، بحيث يعد كالميت عرفاً، فالأحوط وجوباً سقوط القصاص لرواية أبان التي تقدم الكلام فيها في جواب السؤال الخامس عشر. وهي وإن وردت في القتل بالسيف ـ لأنه الآلة الشايعة الاستعمال في ذلك الوقت ـ إلا أن إلغاء خصوصيته قريب جداً، ولاسيما مع عدم تنصيص الإمام (عليه السلام) عليه عند ذكر الواقعة، حيث يؤكد ذلك عدم خصوصيته.
ج.. ما حكم العفو المشروط عن الجاني حين تنفيذ الحكم، كما إذا قال وليّ الدم: إذا دفع الجاني لي مبلغ كذا عفوت عنه؟
ج: هذا ليس عفواً. نعم حيث كان ذلك راجعاً إلى إناطة المطالبة بالقصاص بعدم دفع الجاني للمال، فمع العلم بعدم دفع الجاني للمال تحرز فعلية المطالبة بالقصاص، فيجوز التنفيذ، ومع احتمال دفعه لايحرز فعليتها، فلا يجوز التنفيذ.
د.. من الذي يتحمل الخسائر الواردة على الجاني في هذه المرحلة أو ما قبلها؟
ج: أما مع البناء على سقوط القصاص فلا شيء له. وأما مع البناء على عدمه سقوطه فالخسائر الواردة عليه إن لم يكن من شأنها الضمان فلا شيء على أحد، كنفقة انتقاله إلى محل تنفيذ القصاص. وإن كان من شأنها الضمان ـ كالاعتداء على بدنه في عملية التنفيذ ـ فهي مضمونة على المباشر. لعدم سقوط حرمة الجاني بالإضافة إليها بعد عدم ترتب القصاص عليها، كما يظهر من ما سبق في جواب السؤال الخامس عشر.
هذا مع عدم علم المباشر بترتب العفو قبل إكمال التنفيذ. وإلا كان للجاني أن يقتص منه إذا كان من شأن ما وقع عليه أن يقتص له، لأنه أقدم على الاعتداء عليه مع العلم بعدم الاستحقاق، لأن المستحق لما كان هو القصاص فالجناية التي لا يترتب عليها القصاص غير مستحقة.
ومن ذلك يظهر الحال في تكرار العملية، حيث يبدو أنه يبتني على اتفاق أولياء الدم على ذلك من أول الأمر من أجل تعذيب الجاني. وحينئذٍ يمكن إحباط سعيهم بإيكال مباشرة التنفيذ إليهم، ليعرفوا كيف يتصرفون.
س17( إذا اختار القاضي عقوبة الصلب للمحارب -علماً أن المحارب إذا بقي بعد الصلب ثلاثة أيام يستحق الحياة- يرجى الإجابة عن ما يأتي:
أ.. إذا أراد المحارب قبل الصلب استعمال الأدوية والأغذية التي تقاوم الموت، فهل يمنع من ذلك أو لا؟
ب.. إذا أعطاه شخص الماء والغذاء في فترة الصلب فهل يمنع من ذلك أو لا؟
ج: هذان السؤلان مبنيان على أن الصلب ثلاثة أيام بنفسه عقوبة من دون أن يستلزم الموت. ولو تم ذلك تعين جواز الأمرين، لعدم الدليل على المنع حينئذٍ.
بل يتعين ـ على ذلك ـ وجوب الحفاظ على حياة المصلوب بذلك أو غيره، جمعاً بين عقوبة الصلب، وحرمة قتل المسلم ووجوب حفظ حياته. نظير ما لو أمكن الجمع بين إقامة سائر الحدود التي لا تستلزم الموت وحفظ حياة المحدود. بل ثبت شرعاً تخفيف بعض الحدود المذكورة أو لزوم تأخيرها لو خيف منها الموت. كما في المريض، على ما يأتي في جواب السؤال الواحد والخمسين.
وحيث لا يحتمل ذلك تعين كون المراد بالصلب ما يلازم الموت، إما لحصول الموت به، أو للقتل قبله أو بعده، على الخلاف في ذلك. ويحمل عطف الصلب على القتل في الآية الشريفة والنصوص على عطف الأشد على الأخف، بلحاظ ابتناء الصلب على التنكيل والتشهير زائداً على القتل.
ويناسبه ما في بعض النصوص من جعل الصلب في مورد زيادة الجريمة، ففي حديث علي بن حسان عن أبي جعفر (عليه السلام): ((قال: ومن حارب الله وأخذ المال وقتل كان عليه أن يقتل أو [و] يصلب، ومن حارب فقتل ولم يأخذ المال كان عليه أن يقتل ولا يصلب...))(هامش). وقريب منه في ذلك الصحيح عن الخثعمي عن أبي عبدالله (عليه السلام) (هامش)، ومرسل العياشي والصدوق(هامش)، وغيرها.
كمايناسبه أيضاً ما في بعض النصوص من الجمع بين القتل والصلب،كالصحيح عن عبيدالله المدائني عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): ((سئل عن قول الله عز وجل: [إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً...] فما الذي إذا فعله استوجب واحدة من هذه الأربع؟ فقال: إذا حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فساداً فقتل قتل به، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب...))(هامش)، ونحوه في ذلك مرسل داود الطائي عن أبي عبدالله (عليه السلام) (هامش).
على أن ذلك هو المنصرف من الأمر بالصلب في المقام. إذ بعد تعذر حمل الأمر المذكور على صرف الوجود ـ ولو بالصلب آنامّا ـ فإطلاقه من دون تحديد ينصرف إلى الصلب حتى الموت.
نعم ورد تحديد الصلب بثلاثة أيام في موثق السكوني عن أبي عبدالله (عليه السلام): ((أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لاتدعوا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل فيدفن))(هامش)، ونحوه خبره(هامش)، ومرسل الصدوق(هامش)
لكنها مختصة بمن هو ميت بعد الأيام الثلاثة، ولا يشمل من لم يمت فيها. بل الإنصاف أنها ظاهرة في المفروغية عن كون المراد بالصلب ما يساوق الموت، فهي دليل آخر على المدعى، مؤكد لما تقدم.
ومن ثم كان ظاهر كلام الأصحاب المفروغية عن أن إنزاله من خشبة الصلب بعد موته، إما لقتله قبل الصلب، أو لموته حينه، أو للإجهاز عليه بعد الثلاثة، أو لتركه أكثر من ثلاثة أيام حتى يموت بحمل التحديد بالثلاثة في النصوص المتقدمة على خصوص من مات فيها. فراجع الجواهر.
وبالجملة: لا ينبغي التأمل في عدم استحقاق المصلوب الحياة بعد الأيام الثلاثة.
وحينئذٍ لا موضوع للسؤالين المذكورين، إذ لا فائدة من استعمال الأدوية وإعطاء الماء والأغذية إلا إطالة أمد عذابه لو فرض البناء على جواز صلبه حياً وإبقائه أكثر من ثلاثة أيام حتى يموت.
أما لو كان لمجرد رفع ألم الجوع والعطش والضعف عنه ـ لو فرض جواز صلبه حياً ثم الإجهاز عليه بعد الثلاثة إذا لم يمت فيها ـ فيشكل جواز تمكينه من الطعام والشراب، لابتناء الصلب على التنكيل به، وعدم الرفق به من هذه الجهة.
نعم لا بأس بتمكينه من ذلك قبل الصلب، لأن التنكيل إنما يبدأ من حين الصلب، فلا مخرج عن أصل البراءة من حرمة ذلك. بل عن مقتضى قاعدة سلطنته على نفسه.
س18( بالنظر إلى ضرورة إشراف الحاكم على استيفاء القصاص، يرجى الإجابة عن ما يلي:
أ.. هل يجب على ولي الدم أن يستأذن ولي الأمر أو من عيّنه لذلك في استيفاء القصاص؟
ج: لا يجب على ولي الدم استئذان الحاكم، لأن القصاص حقّ له، ومقتضى إطلاق أدلته جواز استيفائه لحقه من دون إذن الحاكم، كسائر الحقوق الثابتة للإنسان.
نعم في معتبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): ((من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة))(هامش). لكن ربما يرجع ما تضمنه إلى اغتفار خطأ الحاكم في تشخيص موضوع القصاص والأمن من السراية فيه، وعدم اغتفار خطأ الولي في ذلك، من دون أن يدل على وجوب استئذان الحاكم مع فرض تحقق موضوع القصاص.
وإلا فلو لم يشرع القصاص إلا بأذنه لزم ثبوت القصاص في ذلك، لتعمّد الإقدام على فعل السبب من دون حقّ، مع عدم الخلاف، ولا الإشكال، في عدم ثبوت القصاص، بل ولا الدية، كما في الجواهر. وغاية ما يحتمل في المقام هو وجوب استئذانه تعبداً، بحيث يجب التعزير لو بادر بالقصاص من دون إذنه، ولا ينهض بذلك المعتبر المذكور، ولاغيره. والأصل البراءة من وجوب استئذانه.
نعم لو تمّ الدليل على ولاية الحاكم، بحيث له منع صاحب الحقّ من استيفاء حقه بدون إذنه، وألزم الحاكم بالاستئذان، يكون الاستيفاء بدونه مخالفة لأمر الحاكم، فيلحقه حكمها. لكن سبق في جواب السؤال الثالث عدم تمامية الدليل على ذلك.
ب.. في حالة لزوم الاستئذان، يرجى الإجابة عن ما يلي:
1.. إذا استوفى القصاص من دون إذن، هل يؤثم أو يعدّ قاتلاً وتترتب أحكامه؟
ج: بناء على ما سبق لا يعدّ قاتلاً، ولا تترتب عليه أحكام القاتل، بل سبق عدم الإشكال والخلاف في ذلك، وأنه لا يثبت به القصاص ولا الدية، بل غاية الأمر الإثم والتعزير، لمخالفة وجوب الاستئذان شرعاً، أو لمخالفة ولي الأمر، بناء على ولايته في ذلك ووجوب طاعته.
2.. إذا استأذن ولي الأمر فلم يأذن له، ومع ذلك استوفى القصاص، فما هو الحكم؟
ج: يظهر الجواب عنه من ماسبق. والظاهر عدم الإِشكال عندهم في عدم جواز منع الحاكم من استيفاء القصاص بعد كونه حقّاً له. غايته أن له الإشراف على استيفائه.