كتاب الوصية
وهي عهد الإنسان في حياته بما يريده بعد وفاته، وهي من المستحبات المؤكدة، وقد ورد أنها حق على كل مسلم، وأنه لا ينبغي أن يبيت إلا ووصيته عند رأسه. وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: «من لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصاً في مروته وعقله» وعنهم (عليهم السلام): «إن الله تبارك وتعالى يقول: ابن آدم تطولت عليك بثلاثة: سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك، وأوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدم خيراً، وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدم خيراً». وقد تقدم في مقدمة الكلام في غسل الأموات ما ينفع في المقام. ويقع الكلام فيها في ضمن فصول..
فيما تتحقق به الوصية
الوصية قسمان..
القسم الأول: الوصية التمليكية، وهي عبارة عن أن يجعل شيئاً من تركته لشخص خاص أو لجهة خاصة، وهي نحو من التمليك أو التخصيص المعلق على الموت، ويترتب مضمونها بعد الموت بلا حاجة إلى سبب لإيقاعه، كما لو قال: الشيء الفلاني لزيد بعد وفاتي، أو للفقراء أو للمسجد. فإن الشيء المذكور يتعين فيما عيّن له بعد الوفاة بلا حاجة إلى جعل من الوصي أو الوارث، بل ليس وظيفتهما إلا بذله لمن جعل له أو فيما جعل له، لأنه مستحق بعد الموت بالوصية نفسها.
الثاني: الوصية العهدية، وهي العهد لشخص معين بالولاية على أطفاله القاصرين أو على ما له الحق فيه من تركته لينفذ فيه عهده، وكذا العهد بالتصرف في قسم من تركته بما يريده، سواء كان التصرف المذكور خارجياً ـ كما لو أوصى بتكفينه بكفن خاص قد أعده ـ أم اعتبارياً، كما لو أوصى بقسم من تركته أن يعطى لزيد، أو يجعل مسجداً، أو أن يباع ويوزع ثمنه على الفقراء، أو نحو ذلك. والتصرف الاعتباري في هذا القسم لا ينفذ بنفس الموت، بل لابد من إيقاعه من الوصي أو غيره ممن له ذلك، ولو لم يوقعه من له إيقاعه لم يقع، غاية الأمر أن الوصي يكون عاصياً في عدم إيقاعه.
(مسألة 1): تقدم في مباحث تجهيز الميت الإشكال في نفوذ الوصية بالتجهيز، وأن اللازم معها الجمع بين إذن الولي الشرعي والوصي. نعم إذا أعد الإنسان كفنه وجب تكفينه به.
(مسألة 2): يكفي في تحقق الوصية كل ما دل عليها، من لفظ صريح أو ظاهر، أو فعل من إشارة أو كتابة أو غيرهما. وإذا وجدت كتابة بخطه تتضمن وصية، فإن ظهر منها أنها صادرة بداعي إنشاء الوصية أو الإخبار بها كفى في ثبوت الوصية، وإلا لم تثبت الوصية بها، نظير ما تقدم في الوقف.
(مسألة 3): لا يعتبر القبول من الموصى له في الوصية التمليكية. والمشهور بطلانها مع رد الموصى له إذا كان شخصاً معيناً أو أشخاصاً معينين. وهو لا يخلو عن إشكال، فاللازم الاحتياط، بل لا إشكال في عدم بطلانها برده لها إذا سبق منه القبول بها في حياة الموصي أو بعد وفاته.
(مسألة 4): لو أوصى له بشيئين فرد أحدهما جرى الإشكال المتقدم فيما رد، وصح في الآخر. وكذا الحال فيما إذا أوصى له بشيء واحد فرد بعضه.
(مسألة 5): إذا تضمنت الوصية العهدية أمراً متعلقاً بالغير لم يجب عليه تنفيذه، سواء كان في صالح ذلك الفير، كما لو أوصى بأن يعطى قسماً من تركته أو يلبس ثيابه، _أم لم يكن في صالحه كما لو أوصى بأن يصلي عنه أو يحج عنه. نعم لو أوصى بأن يصلي عليه أو نحوه من واجبات التجهيز فالأحوط وجوباً قيامه به بإذن الولي، إلا أن يلزم الحرج عليه.
(مسألة 6): لا يفرق في حكم المسألة السابقة بين الوصي وغيره، وما يأتي من أن الوصي مكلف بتنفيذ وصايا الميت إنما يراد به وجوب السعي عليه لتحصيل من يقوم بها، لا أنه ملزم بتحقيقها مطلقاً ولو بمباشرته للعمل الموصى به.
(مسألة 7): قد يجب على الغير تنفيذ ما طلبه الموصي بالمباشرة من حيثية اُخرى غير الوصية، كما لو صالحه في حياته على أن يصلي عنه بعد وفاته بمال معين، أو شرط عليه ذلك في ضمن عقد لازم، أو كان المكلف قد ألزم نفسه بالعمل بتنفيذ ما طلب منه بيمين أو نحوه، لكن ذلك خارج عما نحن فيه من لزوم العمل عليه من حيثية الوصية.
(مسألة 8): إذا قال: ليصل زيد بمائة دينار ـ مثلاً ـ لم يجب على زيد الصلاة عنه، كما تقدم، لكن لو صلى عنه استحق المال المجعول لا من حيثية الجعالة، بل من حيثية الوصية، لأن الطلب المذكور يرجع إلى الوصية بدفع ذلك المال لزيد على تقدير صلاته عنه كأجرة للصلاة، وحينئذٍ لابد من تحقق شروط نفوذ الوصية في الوصية المذكورة، ولذا تخرج من الثلث، لا من أصل التركة كالديون.
(مسألة 9): لا يتوقف نفوذ وصاية الوصي على قبوله. وإذا رد لم ينفذ رده ووجب عليه أن يقوم بما أوصي له إلا أن يبلغ الموصي رده في حال يمكنه أن يوصي إلى غيره.
(مسألة 10): إذا رد الوصي وأبلغ الموصي برده فإن أعرض الموصي عن وصيته إليه سقطت وصايته، وإن لم يعرض أو أصر على وصيته إليه فالظاهر عدم سقوط وصايته، غاية الأمر أنه لا يجب عليه القيام بالوصية وله الامتناع من ذلك، فيكون الحال كما لو تعذر على الوصي تنفيذ الوصية، ولو رضي بعد ذلك بالقيام بالوصية كان هو المقدم على غيره في تنفيذها.
(مسألة 11): الظاهر ترتب الأثر المتقدم على الرد حتى لو كان قبل الوصية، فإذا قال زيد لعمرو: لا توص إلي، أو: لا أقبل وصيتك إلي، فلم يعتن عمرو وأوصى إليه، لم يكن زيد ملزماً بالقيام بالوصية من دون حاجة إلى أن يبلغه برده مرة اُخرى بعد الوصية. وأظهر من ذلك ما إذا أوصى إليه فرد وأبلغه بالرد فلم يعتن وجدد الوصية له.
(مسألة 12): الظاهر أن قبول الوصي للوصية لا يمنعه من ردها فينفذ رده بالشرط المتقدم.
(مسألة 13): إذا طلب الوالد من ولده قبول وصيته لم يكن للولد الامتناع والرد. أما إذا أوصى إليه من دون أن يطلب منه القبول فله الرد، على نحو ما تقدم في غيره.
في الموصي
ويعتبر فيه اُمور..
الأول: البلوغ، فلا تنفذ وصية غير البالغ على نحو وصية البالغ. نعم تصح وصية ابن عشر سنين إذا كان قد عقل وكانت وصيته في وجوه الخير والمعروف. بل الأحوط وجوباً نفوذ وصيته باليسير في وجوه الخير والمعروف إذا كان ابن سبع سنين، فعلى الورثة إنفاذ وصيته حينئذٍ عملاً على الاحتياط المذكور.
الثاني: العقل، فلا تصح وصية المجنون والسكران ونحوهما حال فقدهم للعقل. نعم لا تبطل الوصية بطروء شيء من ذلك بعدها.
(مسألة 1): في اشتراط الرشد المالي في الوصية بالمال إشكال. بل الظاهر عدم اشتراطه إذا كانت الوصية في وجوه الخير والمعروف. كما أنه لا يعتبر الرشد المالي في الوصية بغير المال.
الثالث: الاختيار، فلا تصح وصية المكره.
الرابع: الحرية، فلا تصح وصية المملوك إلا بإذن مولاه. ولو أوصى ثم تحرر لم تنفذ وصيته إلا أن يجيزها، فتكون الإجازة وصية مستأنفة.
الخامس: أن لا يكون قاتل نفسه، فمن أحدث في نفسه حدثاً برجاء أن يترتب عليه الموت وكان عاصياً بذلك ثم أوصى ومات لم تنفذ وصيته في ماله. وتنفذ فيما عدا ذلك، كما إذا لم يتعمد ما أحدثه في نفسه، أو تعمده لا برجاء الموت، أو تعمده برجاء الموت بوجه يعذر فيه ولم يكن عاصياً، كما لو توقف عليه واجب أهم، أو كان عاصياً بذلك لكنه لم يمت به، بل عوفي منه ثم مات بسبب آخر، أو أوصى قبل أن يحدث في نفسه الحدث المذكور ثم أحدثه ومات به. نعم في نفوذ وصيته بعد الحدث المذكور في غير المال ـ كالولاية على أطفاله ـ إشكال، فاللازم الاحتياط.
(مسألة 2): لا يعتبر في الموصي الإيمان، فتصح الوصية من المخالف والكافر. نعم للمؤمن إلزامهما بمقتضى دينهما في حكم الوصية.
في الموصى له
(مسألة 1): لا تصح الوصية التمليكية ولا العهدية للمعدوم إذا استلزمت تمليكاً لمعدوم، كما إذا قال: إذا مت فداري لأولاد زيد لكل منهم ربع منها، أو قال: إذا مت فاعطوا داري بعد موتي لأولاد زيد لكل منهم ربع منها، وكان ذلك منه بتخيل أو توقع أن أولاد زيد حين موته أربعة، وكانوا في الواقع ثلاثة. وتصح فيما عدا ذلك، بأن كان الموصى له معدوماً حين الوصية موجوداً حين موت الموصي، كما لو قال: داري لأولاد زيد الموجودين حين موتي، أو: اعطوها لهم، ولم يكن لزيد أولاد حين الوصية، وإنما وجدوا بعدها، أو كان أولاده حين الوصية ثلاثة وحين موت الموصي أربعة، فإن الدار تقسم بين الأربعة أرباعاً لا بين الثلاثة الكبار أثلاثاً. ومثل ذلك ما إذا كان الموصى له معدوماً حين الوصية وحين موت الموصي، إلا أنه موجود حين تحقق التمليك الموصى به، كما لو قال: ثمرة البستان الفلاني في كل عام لمن يوجد في ذلك العام من ذريتي طبقةً بعد طبقة، أو: ادفعوا الثمرة المذكورة لهم، فإن الثمرة المتجددة بعد وفاة الموصي تكون لمن هو موجود في عام حصولها، وإن لم يكن موجوداً حين الوصية أو حين موت الموصي.
(مسألة 2): إذا أوصى للحمل وصية تمليكية فإن سقط حياً واستهل صحت الوصية، وإلا فإن لم تحله الحياة بطلت، وإن حلته الحياة ومات قبل أن يستهل ففي صحتها إشكال، واللازم الاحتياط.
(مسألة 3): تجوز الوصية للوارث، وتستحب الوصية لغيره.
(مسألة 4): تجوز الوصية للمخالف والكافر ذمياً كان أو حربياً، إلا أن يكون في الوصية ترويج للباطل وتشجيع عليه، فتبطل.
(مسألة 5): لا تصح الوصية لمملوك غير الموصي، إلا أن يكون قد أعتق منه شيء فتصح الوصية بنسبة ما أعتق منه، فإن كان هو الربع مثلاً صحت الوصية في ربعها، وهكذا.
(مسألة 6): تصح الوصية لمملوك الموصي على تفصيل غير مهم بعد قلة الابتلاء بالمسألة أو عدمه.
(مسألة 7): إذا مات الموصى له قبل الموصي، فإن رجع الموصي عن وصيته سقطت الوصية، ولو لم يرجع ـ ولو للجهل بموته ـ انتقل المال الموصى به لوارثه. ولا أثر لرد الوارث حينئذٍ، بل هو يملك قهراً على نحو ملكه للميراث.
(مسألة 8): لا فرق في ذلك استحقاق وارث الموصى له للوصية على نحو استحقاقه لميراثه منه، فيقسم بين الورثة على نحو قسمة الميراث، ولا ترث الزوجة منه إن كان أرضاً، وتوفى منه ديون الموصى له الميت، وتنفذ منه وصاياه، وغير ذلك.
(مسألة 9): لا فرق في ذلك بين الوصية التمليكية ـ كما لو قال: هذا لزيد بعد وفاتي ـ والوصية العهدية، كما لو قال: اعطوا هذا لزيد بعد وفاتي.
في الوصي
وهو الذي يجعله الموصي متولياً لتنفيذ وصاياه، سواء كان واحداً أم متعدداً. ويعتبر فيه اُمور..
الأول: البلوغ، فلا تصح الوصية إلى الصبي منفرداً، ولا منضماً للغير، إذا أريد بها تصرفه حال صباه. أما إذا أريد تصرفه بعد البلوغ فالظاهر صحتها. كما أنه مع إطلاق الوصية له تصح، لكن ليس له التصرف قبل البلوغ. نعم التصرفات الفورية ـ كقضاء الدين وقسمة المال على الورثة، ودفع الغائلة عن المال لو تعرض للخطر ـ يقوم بها غيره من الأوصياء لو كان، ومع عدمه يقوم بها غير الوصي، كما لو لم يكن للميت وصي، أو كان وفقد، أو تعذرت مراجعته على ما يأتي.
(مسألة 1): إذا أوصي إلى الصبي والبالغ، فإن نص على عدم التصرف إلا بعد بلوغ الصبي وجب الانتظار، وإن أطلق استقل البالغ بالتصرف، ولا ينتظر بلوغ الصبي، فإن بلغ الصبي لم يكن له الاعتراض والتبديل فيما أمضاه البالغ، إلا أن يكون البالغ قد خالف وصية الميت، فإنه يرده إلى ما أوصى به.
(مسألة 2): إذا أوصي إلى الصبي والبالغ فمات الصبي قبل البلوغ أو بلغ مجنوناً، أو نحو ذلك مما يتعذر معه قيامه بالوصية، فإن نص على عدم التصرف إلا بعد بلوغ الصبي جرى ما يأتي في حكم تعذر قيام أحد الوصيين بالوصية، وإلا استقل البالغ بالتصرف كما يستقل به قبل بلوغ الصبي على ما تقدم.
الثاني: العقل، فلا تصح الوصية للمجنون، على النحو المتقدم في الصبي.
(مسألة 3): إذا أوصى إلى عاقل فجن، فإن ظهر من الموصي الإعراض عن الوصية إليه بطلت وصايته، ولم تعد لو عاد إليه عقله، وإلا بقيت وصايته وعمل عليها لو عاد إليه عقله. وأظهر من ذلك ما لو صرح الموصي ببقائه على الوصاية إذا عاد إليه عقله.
الثالث: الحرية، فلا تصح الوصية للمملوك إلا بإذن سيده، وإذا أذن كان له الرجوع عن إذنه ما دام الموصي حياً. والأحوط وجوباً الاقتصار في ذلك على ما إذا أبلغ الموصي برجوعه في حال يسعه نصب غيره.
(مسألة 4): المشهور اشتراط الإسلام في الوصي إذا كان الموصي مسلماً. ولا يخلو عن إشكال، خصوصاً إذا كانت متمحضة في الماليات الراجعة إليه، ولم تتضمن ولاية على مسلم ولا على ماله، بل الظاهر حينئذٍ صحتها.
(مسألة 5): لا تشترط العدالة في الوصي، بل ولا الوثوق، إلا إذا تضمنت الوصية الولاية على الأطفال، فإنه لا يجوز للموصي جعلها لمن لا يثق به في مراعاة صلاحهم، ولو فعل كان خارجاً عن مقتضى الولاية عليهم، فلا تصح وصيته له، ويكون كما لو لم يوص بهم. أما إذا أوصى لمن يثق به فإن وصيته تنفذ، ولا ينعزل إلا بظهور تفريطه، على ما يأتي في حكم تقصير الوصي.
(مسألة 6): تجوز الوصاية للمرأة على كراهية.
(مسألة 7): يجوز للموصي أن يوصي إلى أكثر من واحد بنحو التشريك ـ بحيث لا ينفذ التصرف إلا باجتماعهم ـ أو بنحو الترتيب، أو بنحو يقتضي استقلال كل واحد عند سبقه للتصرف، أو عند حضوره، أو غير ذلك، أو بنحو يقتضي استقلال كل واحد في جهة خاصة أو قسم خاص من التركة. والمتبع في جميع ذلك تصريح الموصي أو ظهور كلامه، ولو بضميمة القرائن الحالية أو المقالية.
(مسألة 8): إذا أوصى لأكثر من واحد بنحو التشريك فسقط أحدهم عن مقام الولاية بموت أو مرض أو عجز أو غيرها، فإن استفيد من الوصية له مجرد تشريفه وتكريمه استقل الباقون بالولاية، وإن استفيد منها الاهتمام بإعمال نظره توثقاً من الوصي لحسن التصرف وعدم اكتفائه برأي الوصي الآخر فالأحوط وجوباً الرجوع للحاكم الشرعي لتعيين من يقوم مقامه في ذلك. وكذا الحال لو تردد الأمر بين الوجهين.
(مسألة 9): إذا أوصى لأكثر من واحد بنحو التشريك فتشاح الأوصياء لاختلاف نظرهم، فإن كان هناك شيء يجتمعون على صحته تعين، كما لو اختار بعضهم إنفاق المال في وجوه البر على الإطلاق واختار الآخر إنفاقه على خصوص الفقراء، وإن لم يكن هناك شيء يجتمعون على صحته ـ كما لو اختار بعضهم اتفاق المال على الفقراء واختار الآخر إنفاقه على مجالس سيد الشهداء (عليه السلام) ـ فالأحوط وجوباً الرجوع للحاكم الشرعي. والأحوط وجوباً للحاكم ـ حينئذٍ ـ محاولة إقناع الأطراف على ما يجتمعون عليه، ومع تعذر ذلك يكون التصرف له، ولا يخرج عن أحد الوجوه التي اختلف الأوصياء فيها، فإن اتضح له أولوية بعضها عمل عليه، وإلا فالأحوط وجوباً له الرجوع للقرعة في تعيين ما يعمل عليه منها.
(مسألة 10): إذا سقط الوصي عن مقام الولاية بموت أو عجز أو نحوهما فالأحوط وجوباً الاشتراك بين الورثة القابلين للولاية والحاكم الشرعي في تنفيذ الوصية. ولا يشرع ـ حينئذٍ ـ نصب وصي يستقل بالتصرف نظير الوصي الذي عينه الموصي، بل لابد من كون المتصرف وكيلاً عنهم.
(مسألة 11): إذا قصر الوصي في تنفيذ الوصية كان لكل أحد ردعه وخصوصاً الورثة، فإن لم يرتدع أو تشاح مع الورثة كان لهم بالاشتراك مع الحاكم الشرعي الإشراف عليه، ومع تعذر إلزامه بتنفيذ الوصية فالحكم كما في المسألة السابقة.
(مسألة 12): الوصي أمين لا يضمن إلا بأمرين:
الأول: التعدي عما يجب عليه والخروج عنه، سواء كان ذلك بالخروج عما أوصي إليه وتبديله ـ كما لو أوصي بالحج بالمال ففرقه في الفقراء ـ أم بالخروج عما يجب عليه بعد تعذر ما أوصي به ـ كما إذا نسي الوصي الأمر الذي عينه الموصي ـ فإنه يتعين عليه إنفاقه في وجوه البر ـ كما يأتي إن شاء الله تعالى ـ فإذا أنفقه في غيرها كان ضامناً.
الثاني: التفريط، سواء كان في الوصية ـ كما إذا أخّر تنفيذها فتلف المال ـ أم في المال نفسه، كما إذا قصر في حفظه فسرق.
(مسألة 13): إذا عيّن الموصي للوصي عملاً خاصاً وجب الاقتصار عليه، وإن أطلق فإن كان هناك انصراف إلى شيء معين بسبب عرف أو عادة تعين، وإلا كان التصرف موكولاً لنظر الوصي، وكان عليه اختيار ما فيه صلاح الميت، ومع تعدد وجوه الصلاح يختار ما هو الأصلح له مع تيسر فعله بالنحو المتعارف، وذلك يختلف باختلاف الأموات والأوقات. نعم لا إشكال في تقديم الواجبات التي انشغلت بها ذمة الميت على غيرها من وجوه البر.
(مسألة 14): إذا قيد الوصاية بجهة معينة اقتصر الوصي عليها، وإن أطلق ـ كما لو اقتصر على قوله: فلان وصيي ـ كان ظاهره في عرفنا قيام الوصي بإخراج الثلث، وصرفه في مصلحة الموصي، وأداء الحقوق التي عليه، والأمانات المودعة عنده، ونحو ذلك. وفي شموله للقيمومة على القاصرين من أولاده إشكال، والأحوط وجوباً لمن يدير شؤونهم الاستئذان منه.
(مسألة 15): لا يجوز للوصي تفويض الوصاية إلى غيره، بأن ينعزل هو عن الوصاية ويكون ذلك الغير هو الوصي مستقلاً بالسلطنة، حتى لو كان ذلك الغير أعرف منه بنظره. نعم له تفويض الأمر في الوصية إلى الغير ممن يراه مثله أو أعرف منه في تنفيذها أو تنفيذ بعض فقراتها، لكن مع بقائه هو على الوصاية، ويكون ذلك الغير وكيلاً عنه في إنفاذ الوصية مستمداً سلطنته من سلطنته. ويترتب على ذلك أن تسقط سلطنة المفوض المذكور بموت الوصي أو نحوه مما يوجب بطلان توكيله، وحينئذٍ يجري ما تقدم في المسألة (10) من حكم موت الموصي. نعم إذا كان مراد الموصي من إيكال الأمر للوصي ليس خصوص تنفيذه، بل ما يعم تعيين من يتولى تنفيذه لم تسقط سلطنة الشخص المذكور بموت الوصي، لأنه ليس وكيلاً محضاً، بل متولياً من قبل الموصي بتوسط جعل الوصي. وقد يفهم ذلك من الموصي بقرائن الأحوال، كما لعله كذلك في عصورنا حيث يتعارف عدم معرفة الوصي بمواقع الصرف وعدم توليه ذلك بنفسه، بل يتعارف إيكاله لمن يثق به من أهل العلم والمعرفة، فيكون قد أدى وظيفته بذلك وحمل الشخص الموكل إليه المسئولية، فإن التعارف المذكور قد يكون قرينة على عموم وصايته للتفويض بالنحو المذكور. وكذا الحال إذا توفي الشخص الذي يوكل إليه الأمر، فإنه لو كان وكيلاً محضاً على تفريغ ذمة الميت لزم بطلان وكالته بموته، فيلزم مراجعة دافع المال له، وصياً كان عن الميت أو متبرعاً بتفريغ ذمته أو بدفع الخيرات عنه، إلا أن يفهم من دفع المال له تفويض الأمر إليه، بحيث له أن يوصي بتنفيذ ما كلف به، كما لعله كذلك في عصورنا، حيث تعارف تكدس الأموال عند مراجع الدين ونحوهم ممن يتصدى للاُمور العامة من أهل العلم، وبنحو يتوقع موتهم قبل تهيؤ صرف الأموال في مصارفها، مع بناء الدافع على قطع علاقته بالمال عند دفعه، فإن ذلك قد يكون قرينة عامة على عموم التفويض للإيصاء بالمال، وإن كان الأمر لا يخلو بعد عن الإشكال، فاللازم الاحتياط مهما أمكن.
(مسألة 16): تعارف في عصورنا أن يجعل الموصي ناظراً على الوصي، فإن رجع ذلك إلى الوصية إليهما معاً بحيث يوكل إليهما معاً أمر تنفيذ الوصية مع تقديم أحدهما على الآخر عند الاختلاف فالظاهر نفوذه، وإن رجع إلى قصر الوصاية على أحدهما بحيث يكون هو المتولي لتنفيذ الوصية، وليس للآخر إلا إعمال نظره ففي نفوذه إشكال، بل منع. نعم يمكن للموصي تكليف الوصي باستشارة شخص ما والعمل برأيه في تنفيذ الوصية، لكن لا يجب على الشخص المذكور إبداء نظره حينئذٍ.
هذا ولو مات المستشار في هذا الفرض أو تعذر الرجوع إليه فإن استفيد من الأمر باستشارته مجرد الاهتمام بتكريمه استقل الوصي بالوصية، وإن استفيد منه الاهتمام برأيه توثقاً لحسن التصرف وعدم الاكتفاء برأي الوصي فالأحوط وجوباً مراجعة الحاكم الشرعي، لتعيين من يقوم مقامه في ذلك، وكذا الحال مع التردد بين الوجهين. ويجري ذلك في صورة إشراكه في الوصية، على ما يظهر مما تقدم في المسألة (8).
(مسألة 17): إذا تضمنت الوصية أن للوصي أخذ أجرة المثل في مقابل قيامه بتنفيذ الوصية فذاك، أما إذا ابتنت على المجانية، أو تضمنت تعيين ما دون أجرة المثل فلذلك صورتان..
الاُولى: أن لا يكون ذلك مجحفاً بالوصي، لعدم كون تنفيذ الوصية مقابلاً بالمال، أو كان مقابلاً بمال لا يكون عدم أخذه مجحفاً به، وحينئذٍ يجب على الوصي تنفيذ الوصية مجاناً.
الثانية: أن يكون ذلك مجحفاً بالوصي ومنشأً للحرج المعتد به عليه، لكثرة المال بنحو معتد به، أو لكون الوصي محتاجاً للتفرغ لسد حاجاته المعاشية. وحينئذٍ إن كان قد قبل بالوصية ملتفتاً لذلك مقدماً عليه كان عليه تنفيذ الوصية مجاناً أيضاً، وإن لم يكن قد قبل بالوصية أو كان قد قبل بها بتخيل عدم لزوم الإجحاف والحرج منها كان له الامتناع عن تنفيذ الوصية،وحينئذٍ فالأحوط وجوباً الرجوع للورثة والحاكم الشرعي معاً من أجل تنفيذ الوصية، فإن وسعهم تنفيذها مجاناً أو بأجرة دون أجرة المثل فذاك، وإلا كان عليهم بذل أجرة المثل للوصي، فيجب على الوصي حينئذٍ تنفيذ الوصية.
في الموصى به
تقدم في الفصل الأول أن الوصية تمليكية وعهدية. والموصى به في الوصية التمليكية هو كل مال له نفع محلل معتد به، سواء كان عيناً موجودة أو معدومة متوقعة الحصول ـ كحمل الدابة وثمرة الشجرة ـ أم كان منفعةً لعين موجودة أو معدومة متوقعة الوجود، أم كان حقاً من الحقوق القابلة للنقل، كحق التحجير، دون ما لا يقبله، كحق الشفعة. أما في الوصية العهدية فالموصى به في التركة كل تصرف محلل، سواء كان خارجياً ـ كما لو أوصى بعلف حمام الحرم من حب مملوك له ـ أم اعتبارياً، كما لو أوصى بالصدقة بماله، أو باستئجار من يصلي عنه أو يحج عنه، أو غير ذلك من التصرفات الصحيحة شرعاً. أما في غير التركة فقد سبق في أوائل الفصل الأول صحة الوصية بالولاية على أطفاله القاصرين، والإشكال في صحة الوصية بتجهيزه.
(مسألة 1): يصح لكل من الأب والجد للأب الوصية بالولاية على أولاده القاصرين، ولا يصح من غيرهم الوصية بها.
(مسألة 2): لا يصح لكل من الأب والجد الوصية بالولاية على القاصرين مع وجود الآخر بنحو يساويه في الولاية ويزاحمه فيها. أما مع عدم المزاحمة كما لو أوصاه بالولاية عليهم على تقدير عجز الآخر أو موته فالظاهر جوازه، خصوصاً إذا كانت من الأب، وكذا إذا كانت الوصية من أحدهما حال عجز الآخر، لغيبة أو مرض أو نحوهما. وقد تقدم في كتاب البيع ما ينفع المقام.
(مسألة 3): لا تجوز ولا تنفذ الوصية بما تكون منفعته المقصودة منه نوعاً محرمة، كالخمر ونحوها، وكذا إذا لزم منها الحرام، كترويج الباطل والتشجيع على المنكر. نعم لا بأس بالوصية بالخمر القابلة للتخليل، والتي لها منفعة مقصودة نوعاً غير الشرب محللة، وكذا الحال في غيرها من المحرمات. ولا فرق في جميع ذلك بين الوصية التمليكية والعهدية.
(مسألة 4): ما كان المقصود منه نوعاً محرّماً بهيئته، كآلات القمار والموسيقى وهياكل العبادة المبتدعة، إذا كان لمادته منفعة مقصودة محللة تجوز الوصية به بلحاظ مادته، لكنها لا تقتضي احترام هيئته فيجوز تغييرها، بل قد يجب.
(مسألة 5): لا تصح الوصية بالمعصية، كترويج الباطل ومعونة الظالمين ومجالس الغناء وغير ذلك.
(مسألة 6): ليس للميت من تركته إلا الثلث، فله أن يوصي فيه بما شاء، وصية تمليكية أو عهدية. والأفضل الاقتصار على الربع، وأفضل منه الاقتصار على الخمس.
(مسألة 7): إذا لم يكن للميت وارث من طبقات الميراث غير الإمام فأوصى بماله كله في وجوه الخير نفذ في الثلث، والأحوط وجوباً في الثلثين الباقيين الجمع في مصرفهما بين ما أوصى به ومصرف ميراث من لا وارث له.
(مسألة 8): لا فرق في نفوذ الوصية من الثلث بين الوصية بحصة مشاعة من التركة والوصية بعين خاصة، كالدار والفرس، والوصية بكلي كمائة دينار.
(مسألة 9): لا يعتبر في نفوذ الوصية قصد الموصي أنها من الثلث الذي له الوصية به، فإذا غفل عن الثلث، أو جهل نفوذ الوصية فيه دون غيره فأوصى بشيء فصادف عدم تجاوزه الثلث نفذت الوصية به.
(مسألة 10): المعيار في الثلث على الثلث حين وفاة الموصي، فإذا أوصى بشيء زائد على الثلث حين الوصية نفذ إذا صار ذلك الشيء حين الموت بقدر الثلث أو دونه، إما لنزول قيمته، أو لارتفاع قيمة بقية أموال الموصي، أو لزيادة أمواله. وإذا أوصى بشيء لا يزيد على الثلث حين الوصية إلا أنه تجاوزه حين الموت لارتفاع سعره مثلاً لم تنفذ الوصية في الزائد على الثلث.
(مسألة 11): إذا تجدد بعد الموت مال تابع لعمل الميت لحقه حكم مال الميت، فتنفذ الوصية من ثلث المجموع، كما إذا نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته، أو فتح طريقاً للماء ليحوزه فصار الماء في حوزته بعد موته، فإن الصيد والماء المذكورين يكونان بحكم ماله.
(مسألة 12): إذا قتل الموصي خطأ كانت ديته بحكم ماله، فتنفذ الوصية من ثلث المجموع، وكذا إذا قتل عمداً فصالح أولياؤه على الدية. وأما ديات الجروح ونحوها، فإن كانت قبل موته كانت له في حياته كسائر تركته، وإن كانت بعد موته فليست بحكم ماله في الميراث ونحوه، بل تنفق عنه في وجوه البر، وتوفى منها ديونه لأنه أفضل البر له، ولا تخرج منها وصاياه إلا أن تكون من وجوه البر فيجوز إنفاذها منه.
(مسألة 13): إنما يحسب الثلث بعد استثناء ما يخرج من أصل التركة، من مؤن التجهيز الواجب ـ على التفصيل المذكور في محله ـ والديون المالية، وما ألحق بها.
(مسألة 14): إذا كان على الموصي دين فأبرأه الدائن بعد وفاته، أو تبرع شخص بأدائه لم يكن مستثنى من التركة وكان بمنزلة عدمه، وكذا إذا تبرع متبرع بمؤن التجهيز.
(مسألة 15): إذا كان بعض التركة ضائعاً أو مغصوباً أو نحو ذلك مما لا يسلم للوارث كان المدار في الثلث على الباقي، لا بمعنى عدم تعلق الوصية بما لا يسلم للوارث، بل بمعنى عدم تنفيذ الوصية فعلاً إلا في ثلث ما يسلم للوارث، فإذا كانت التركة بمجموعها عشرة آلاف دينار ـ مثلاً ـ قد غصب منها أربعة آلاف وكان قد أوصى بما يساوي ثلاثة آلاف دينار وجب تنفيذ الوصية فعلاً في ألفي دينار، وبقي ألف منها معلقة في المغصوب، فإذا استوفى الورثة بعد ذلك ثلاثة آلاف من المغصوب وجب تنفيذ الوصية في ألف منها.
(مسألة 16): إذا سلمت التركة للوارث بحيث صارت في قبضته، ثم طرأ عليها قبل القسمة وتنفيذ الوصية تلف أو سرقة أو نحوهما، فإن كانت الوصية في عين خارجية شخصية لا تزيد على ثلث المجموع فالتلف يختص بمورده، فإن كان مورده العين المذكورة لم يلحق الميراث نقص، وإن كان مورده غيرها لم يلحق الوصية نقص، بل تنفذ في تمام العين، وإن كانت الوصية في حصة مشاعة ـ كالثلث والربع ـ نقص من الوصية بنسبة التالف للتركة، فإن كان التالف ربع التركة نقص من الوصية الربع، وإن كان نصف التركة نقص من الوصية النصف، وهكذا. نعم إذا كان التالف مضموناً كان الضمان مشتركاً بين الوصية وحصة الورثة. وإن كان الوارث مفرطاً في عدم تنفيذ الوصية كان ضامناً للتلف الوارد عليها.
وهكذا الحال إذا كانت الوصية كلياً في التركة ـ كألف دينار ـ وهي لا تزيد على الثلث، فإنها وإن نفذت بموت الوصي إلا أن النقص يلحقها كما يلحق حصة الوارث، ويتعلق بالتالف، فإن كان التالف مضموناً لحق الوصية نصيبها من الضمان.
(مسألة 17): إذا أوصى بثلث ماله أو ربعه أو نصفه أو نحوها فالظاهر منه إرادة التركة التي تنفذ منها الوصية، وهي التي سبق تحديدها، إلا أن تقوم القرينة على إرادة معنىً آخر، كالمال الموجود حال الوصية، أو النقود، أو ما يقابل الدين الذي له على الناس، أو مجموع التركة من غير إخراج المستثنيات المتقدمة، أو غير ذلك، وحينئذٍ لا تنفذ الوصية المذكورة إلا في مقدار ثلث التركة بالمعنى الذي سبق تحديده.
(مسألة 18): الواجبات المالية التي تخرج من الأصل هي الأموال التي اشتغلت بها الذمة، كالمال المقترض، والمبيع الذي باعه سلفاً، وثمن ما اشتراه نسيئة، وعوض المضمونات، وأروش الجنايات، والعمل الذي اشتغلت به ذمته بإجارة أو نحوها، والشرط الذي جعل عليه في ضمن العقد إذا لم تعتبر فيه مباشرته بنفسه.
(مسألة 19): من جملة الواجبات المالية الحقوق الشرعية التي في ذمته، كالزكاة والخمس، إلا أن الظاهر عدم وجوب أداء الخمس من تركته إذا لم يكن بانياً على أدائه، سواء كان متعلقاً بعين التركة، أم لم يكن بل انشغلت ذمته به. نعم يبقى مطالباً به في الآخرة، فإذا أراد الوارث تفريغ ذمته وتفريج كربته والتخفيف عنه أداه. كما أنه إذا كان قد أوصى بمال يصرف في مصالحه على نحو الإطلاق كان إخراج الخمس من أظهر مصاديق ذلك.
أما إذا كان بانياً على أدائه فالأحوط وجوباً إخراجه من أصل التركة، على ما تقدم في كتاب الخمس. وحينئذٍ يلزم مراعاة الاحتياط في حق القاصرين، فيخرج الخمس من غير حصتهم. نعم لو تسامح الوارث في أداء الخمس حينئذٍ جاز لغيره التصرف بإذنه في عين التركة التي ورثها. والأحوط وجوباً ضمان الوارث للخمس حينئذٍ.
(مسألة 20): من جملة الواجبات المالية الديون التي لا يعلم صاحبها ولا يقدر عليه. وقيل: يجب التصدق بمقدار تلك الديون عن صاحبها، وهو المعروف في عصورنا برد المظالم، ويترتب على ذلك لزوم إخراجه بعد وفاة المدين من أصل التركة والتصدق به. لكن الظاهر عدم وجوب التصدق به على المدين، ولا على وارثه، ولا يجزي ذلك في وفاء الدين. بل يكفي المدين ووارثه أن يعلم الله تعالى منهما نية الوفاء لو قدر عليه، من دون أن يمنع الوارث من التصرف في التركة، كما لا يمنع من تنفيذ الوصية منه. نعم يحسن الاحتياط بالتصدق المذكور لاحتمال تفريغ الذمة به من أموال الورثة أومن الثلث مع إطلاق مصرفه، فينوي به التصدق عمن انشغلت ذمة الميت له إن كان مجزئاً في تفريغ ذمة الميت من الدين وإلا فعن الميت نفسه براً به.
(مسألة 21): يجب التصدق في كثير من الموارد، كفدية إفطار شهر رمضان، وجملة من كفارات الإحرام، وغيرها. وفي كونها من الواجبات المالية التي تخرج من أصل التركة إشكال، والأظهر العدم. وأظهر منها في ذلك الكفارات المخيرة بين الصدقة وغيرها كالعتق والصيام.
(مسألة 22): في كون النذور التي لم تؤخذ فيها المباشرة من الواجبات المالية التي تخرج من أصل التركة إشكال، والأظهر العدم. وأما بقية الواجبات التي تنشغل بها ذمة الميت ويشرع أداؤها عنه ـ كالصلاة والصيام ـ فالظاهر عدم إخراجها من الأصل، عدا حجة الإسلام فإنها من الواجبات المالية التي تخرج من أصل التركة، بل هي مقدمة على بقية الديون التي لله تعالى ـ كالزكاة ـ والتي للناس، إلا أن يوصي بإخراجها من الثلث فتخرج منه حينئذٍ.
(مسألة 23): إذا طرأ على شيء من التركة تلف أو سرقة أو نحوهما لم يدخل النقص على الواجبات المالية، بل يجب قضاؤها من الباقي، ويقع النقص على الوصية والميراث.
(مسألة 24): إذا امتنع بعض الورثة من وفاء الواجبات المالية ـ عصياناً أو لعدم ثبوت الدين عنده ـ وجبعلى الباقين وفاؤها ولا يجوز لهم التصرف في حصتهم قبل ذلك. وحينئذٍ إن كان للميت وصي وأمكن استئذانه في الوفاء تعين استئذانه، ليستحق بذلك المؤدي للدين الرجوع على من لم يؤده من تمام التركة، ولا يستحق الرجوع عليه مع عدم استئذانه، وإن لم يكن للميت وصي أو لم يمكن استئذانه كان عليه استئذان الحاكم الشرعي، فإن تعذر كان له الاستقلال بالوفاء، ويستحق الرجوع على الورثة في بقية التركة، إلا أن يؤديه بنية التبرع فلا يستحق حينئذٍ.
(مسألة 25): إذا أوصى بأكثر من الثلث ـ بالمعنى المتقدم ـ نفذت الوصية في الثلث، وتوقف نفوذها في الزائد على إجازة الوارث في حياة الموصي أو بعد وفاته. وإذا أجاز بعضهم دون بعض نفذت الوصية في حصة المجيز خاصة، كما أنهم إذا أجازوا بعض الوصية دون بعض نفذ ما أجازوه خاصة.
(مسألة 26): لابد في إجازة الوارث للوصية الزائدة على الثلث من إنشاء إمضاء الوصية، ولو بفعل ما يظهر في الإمضاء كالعمل بالوصية. بل يكفي السكوت بعد العلم إذا كان ملازماً عرفاً لإقرار الوصية، كما لو ترك الوصي يعمل بالوصية وينفذها وهو قادر على الرد. نعم لا يكفي الرضا النفساني المجرد عن ذلك.
(مسألة 27): ليس للمجيز الرجوع عن إجازته حال حياة الموصي ولا بعد وفاته. كما أن الرد لا يمنع من تعقب الإجازة ونفوذها.
(مسألة 28): إذا تضمنت الوصية حرمان بعض الورثة أو جميعهم من الميراث فذلك يقع على أحد وجهين..
الأول: أن يتمحض في الوصية بحصة ذلك الوارث لغيره لغناه عن المال، أو لحاجة ذلك الغير، أو لحاجة الموصي للوصية المذكورة، لكونها من وجوه البر التي تنفعه بعد موته إلى غير ذلك مما لا يرجع إلى حرمان الوارث من الميراث، بل إلى التعدي على ميراثه. وحينئذٍ إن أجاز الوارث ذلك نفذت الوصية بتمامها وإن لم يجز نفذت في الثلث خاصة.
الثاني: أن يرجع إلى حرمان الوارث من الميراث تشكيكاً في نسبه، أو عقوبةً له على سيئ فعله معه، أو نحو ذلك. والظاهر هنا عدم صحة الوصية وعدم نفوذها حتى في الثلث، أجاز ذلك الوارث أم لم يجز. نعم لو أوصى مع ذلك بحصة ذلك الوارث لجهة خاصة ـ كما إذا قال: لا تورثوا ولدي فلاناً وادفعوا ميراثه للفقراء ـ فإن أجاز الوارث نفذت وصيته بتمامها، وإن لم يجز نفذت في الثلث خاصة.
(مسألة 29): إذا قال: لا تورثوا ولدي فلاناً وادفعوا الميراث لباقي الورثة، أو: لا تورثوا ولدي وادفعوا الميراث لإخوتي، ونحو ذلك مما كان مفاد الوصية الثانية فيه مطابقاً لحرمانه من الميراث، فإن قصد بالوصية الثانية تأكيد حرمانه من الميراث ـ كما لعله الظاهر ـ بطلت الوصية مطلقاً، وإن قصد بها أمراً زائداً على حرمانه من الميراث، وهو الوصية بدفع الحصة المذكورة لبقية الورثة، نظير وصيته بدفعها للفقراء نفذت بإجازة الوارث أو في الثلث.
(مسألة 30): من زنى بأم ولد أبيه أو امرأة أبيه فأوصى أبوه بإخراجه من الميراث ففي بطلان الوصية إشكال، واللازم الاحتياط.
(مسألة 31): إذا عيّن الموصي ثلثه في عين مخصوصة تعين، وإذا فوض التعيين إلى الوصي فعيّنه في عين مخصوصة تعين أيضاً بلا حاجة إلى رضا الوارث. ويكفي في التفويض ظهور حال الموصي في ذلك، كما إذا ابتنت وصيته في الثلث على عزله وبقائه مدة، مثلما لو أوصى بالاتجار بثلثه مدة من الزمن وإنفاق ربحه في وجوه البر، فإن الظاهر من إطلاقه ذلك إيكال عزل الثلث للوصي. أما في غير ذلك ـ كما إذا أوصى بإنفاق ثلثه ـ فالظاهر عدم ولاية الوصي ولا غيره على عزل الثلث وتعيينه في عين مخصوصة، بل يبقى الثلث مشاعاً في التركة، فإن زادت في الاستنماء ونحوه زاد الثلث، وإن نقصت لتلف ونحوه نقص الثلث.
(مسألة 32): إذا أوصى بجزء من ماله أو من ثلثه أو غيرهما، أو بسهم منه، أو بشيء منه، فإن كان هناك قرينة على إرادة مقدار معين عمل عليها، ومع عدمها يحمل إطلاق الجزء على العُشر، وإطلاق السهم على الثمن، وإطلاق الشيء على السدس، بمعنى عدم النقص عن هذه المقادير. أما في غير ذلك من العناوين المطلقة كالقسم والمقدار ونحوهما فالعمل على الإطلاق، فيكفي ما يصدق عليه عرفاً. وحينئذٍ إن كان موضوع الوصية المذكورة الثلث الموصى به كان المرجع في تعيين المقدار من له القيام بتنفيذ الوصية من وصي أو وارث أو غيرهما، وإن كان موضوعها مال الميت لزم الاقتصار على أقل أفراد الإطلاق العرفية، إلا أن يرضى الوارث بالزيادة.
(مسألة 33): إذا أوصى لجماعة حمل على التوزيع بالسوية. نعم إذا أوصى بمال لأعمامه وأخواله كان لأعمامه الثلثان يوزع عليهم بالسوية ولأخواله الثلث يوزع عليهم بالسوية.
في أحكام الوصية
(مسألة 1): للموصي الرجوع عن وصيته ما دام حياً، ويتحقق الرجوع بكل ما دل عليه من قول أو فعل.
(مسألة 2): يجوز الرجوع عن بعض الوصية، فتبطل في خصوص ذلك البعض، ويجب العمل عليها في الباقي.
(مسألة 3): إنكار الوصية ليس رجوعاً عنها، سواء كان عن نسيان لها، أم مع الالتفات إليها. نعم إذا ورد لبيان عدم الرضا بالعمل بها كان رجوعاً عنها، من دون فرق أيضاً بين نسيانها وعدمه.
(مسألة 4): إذا أوصى بوصية ثم أوصى بما يضادها كان ذلك رجوعاً عن الاُولى وعملاً بالثانية، كما إذا أوصى بشيء لزيد ثم أوصى به لعمرو. ولو كان التضاد في بعض الاُولى كان رجوعاً في ذلك البعض لا غير، كما إذا أوصى بداره لزيد ثم أوصى بنصفها لعمرو، من دون فرق في جميع ذلك بين نسيان الوصية الاُولى وعدمه.
(مسألة 5): إذا أوصى بوصية ثم أوصى بوصية اُخرى لا تضادها، بل تجتمع معها لم يكن رجوعاً عن الاُولى، بل يجب العمل بهما معاً إذا وسعهما المال، كما إذا أوصى بحجة ثم أوصى بأن يخرج عنه عشر سنين صلاة. نعم إذا ظهر منه حين الوصية الثانية أنها هي تمام وصيته التي يعمل عليها كان ذلك رجوعاً عن الاُولى ووجب العمل بالثانية لا غير.
(مسألة 6): إذا اختلفت الوصيتان بالإطلاق والتقييد مع اتحاد موضوعهما كانتا متضادتين، ووجب العمل بالثانية لأنها تكون رجوعاً عن الاُولى، كما إذا أوصى بصرف ثلثه في الحج والعمرة وأوصى بصرفه في وجوه البر.
(مسألة 7): إذا أوصى بوصايا متعددة لا تضاد بينها إلا أنها متزاحمة ـ بأن لا يسعها المال الذي تنفذ فيه الوصية ـ وكان فيها واجب قدم الواجب على غيره، سواء كان الواجب مالياً كالحج أم بدنياً كالصلاة، وسواء كانت الوصية بالكل دفعة، أم بنحو الترتيب، مع تقدم الواجب في الذكر أو تأخره. نعم لابد في الترجيح المذكور من كون الوصية بالواجب لوجوبه ولو ظاهراً، أما إذا كان لمجرد الاحتياط غير اللازم فلا مجال لترجيحه، بل يكون كالوصايا التبرعية.
(مسألة 8): إذا أوصى بوصايا متعددة لا تضاد بينها، كلها واجبات، أو ليس فيها واجب، وكانت متزاحمة ـ بأن لا يسعها المال الذي تنفذ فيه الوصية ـ فإن كانت الوصية بها جملة واحدة من دون ترتيب بينها دخل النقص على الجميع بالنسبة، كما إذا قال: أدوا عني ما علي من العبادات الواجبة، وكان عليه صوم وصلاة، أو قال: زوروا عني الأئمة (عليهم السلام) في مشاهدهم المشرفة كل إمام عشر زيارات. وإن كانت الوصية بها على نحو الترتيب بدئ بالأسبق فالأسبق ووقع النقص على اللاحق، كما إذا قال: أدوا عني ما فاتني من الصوم وما فاتني من الصلاة، أو قال: زوروا عني أمير المؤمنين (عليه السلام) مرتين والحسين (عليه السلام) مرتين وتصدقوا عني بمائة دينار وادفعوا لزيد مائة دينار وأخرجوا عني عشر ختمات للقرآن الكريم.
(مسألة 9): إذا أوصى بإخراج الواجب المالي من الثلث أخرج منه إلا أن يقصر عنه، فيتمم من أصل التركة. وكذا إذا أوصى بإخراج جملة اُمور من ثلثه، منها واجب مالي، ولم يف الثلث بها جميعاً، فوقع النقص عليها جميعاً أو على الواجب المالي، فإن الواجب المالي يتمم من أصل التركة، ويبقى النقص على غيره بلا تدارك.
(مسألة 10): إذا أوصى بوصايا متعددة لا تضاد بينها إلا أنها متزاحمة وظهر منه أن بعضها ليس من الثلث الذي له كان النقص على ذلك البعض وإن كان مقدماً في الذكر، كما إذا كان مجموع تركته ثلاثين ألف دينار فقال: ادفعوا لولدي الصغير مائة دينار وأخرجوا ثلثي وهو عشرة آلاف دينار وانفقوه في وجوه البر عني، فإن النقص يقع على المائة دينار التي أوصى بها لولده الصغير، فلا تنفذ الوصية بها إلا بإجازة الورثة. كما أنه لو ظهر منه أن بعض وصاياه يخرج من أصل التركة فإنه لا ينفذ من تلك الوصية إلا ثلثها، ويحتاج نفوذ باقيها لإذن الورثة، كما إذا قال: ادفعوا لزيد مائة دينار وأخرجوا ثلثي من الباقي فانفقوه عني في وجوه البر.
نعم إذا صادف أن لم يوص بالثلث نفذت الوصية بذلك الشيء ما لم يزد على الثلث، كما لو قال: ادفعوا لولدي الصغير مائة دينار أما ثلثي من الباقي أو من مجموع التركة فإني سوف أوصي به فيما أريد، وصادف أن مات قبل أن يوصي بالثلث المذكور، فإن الوصية المذكورة بالمائة دينار تنفذ ما لم تتجاوز ثلث التركة فيتوقف نفوذها في الزائد على إجازة الورثة.
(مسألة 11): إذا أوصى بشيء فلم يكف المال الذي تنفذ منه الوصية لذلك الشيء، فإن كان قابلاً للتبعيض تعين، كما إذا أوصى بأن يتصدق بعشرة دنانير وكان المال خمسة، وإن لم يكن قابلاً له تعين صرف المال في وجوه البر، كما إذا أوصى بأن يحج عنه فلم يكف المال للحج حتى من الميقات، سواء كان نقص المال عن ذلك الشيء ابتدائياً، أم كان بسبب تزاحم الوصايا ووقوع النقص على ذلك الأمر الموصى به.
(مسألة 12): حيث تقدم أنه مع تعدد الوصايا وتضادها يعمل على اللاحقة، ومع تزاحمها من دون تضاد يعمل على السابقة، فلو اشتبه السابق واللاحق في المقامين، فإن كان الاختلاف بينهما بالإطلاق والتقييد وجب العمل على المقيد، كما إذا أوصى بصرف ثلثه في الصدقة وأوصى أيضاً بصرفه في وجوه البر، أو أوصى بصرف مائة دينار في الصدقة وصرف مائة اُخرى في وجوه البر، وظهر أن الثلث مائة دينار لا غير. أما إذا كان الاختلاف بينهما بالتباين فاللازم الرجوع للقرعة.
(مسألة 13): إذا نسي الوصي أو غيره ممن يوكل إليه التنفيذ بعض مصارف الوصية، وعجز عن معرفته فإن تردد بين المطلق والمقيد اقتصر على المقيد، وإن تردد بين اُمور متباينة محصورة فالمرجع القرعة، وإن تردد بين اُمور غير محصورة تعين صرف المال في وجوه البر.
(مسألة 14): إذا ترددت الوصية بين الأقل والأكثر اقتصر على الأقل، كما لو تردد المال الموصى به بين ألف دينار وألفين. أما إذا كان التردد بين مالين معينين متباينين أحدهما أقل من الآخر فالمرجع القرعة.
(مسألة 15): حيث تقدم عدم جواز الوصية في وجوه الحرام، فالظاهر أن الوصية بها لا تبطل رأساً، بحيث يكون المال ميراثاً، بل يجب على الوصي أو غيره ممن يقوم بتنفيذ الوصية صرف المال في سبل الخير.
فيما تثبت به الوصية
إذا شك في الوصية من دون حجة عليها بني على عدمها، وإذا علم بالوصية وشك في العدول عنها من دون حجة عليه بني على عدمه، ووجب إنفاذ الوصية.
(مسألة 1): تثبت الوصية بالعلم، وبإقرار الموصي، وبالبينة، وهي شهادة رجلين مؤمنين عادلين. ومع عدمها يكتفى بشهادة رجلين من أهل الكتاب، وفي اشتراط كونهما ذميين إشكال. وإذا ارتاب بهما الوارث كان له أن يطلب من الحاكم الشرعي إحلافهما، فيحلفهما بعد الصلاة على صحة شهادتهما.
(مسألة 2): تثبت الوصية التمليكية بشهادة رجل واحد عادل وامرأتين عادلتين. وكذا تثبت بشهادة رجل واحد عادل أو امرأتين عادلتين، لكن مع يمين صاحب الحق. ولا تثبت بذلك الوصية العهدية.
(مسألة 3): تثبت الوصية التمليكية بتمامها بشهادة أربع نساء عادلات، وثلاثة أرباعها بشهادة ثلاث نساء عادلات، ونصفها بشهادة امرأتين عادلتين، وربعها بشهادة امرأة واحدة عادلة. وكذا الوصية العهدية إذا كانت تقبل التبعيض، كالوصية بالمال، دون مثل القيمومة على الأطفال القاصرين.
(مسألة 4): تثبت الوصية التمليكية والوصية العهدية بالمال بإقرار الورثة بأجمعهم إذا كانوا عقلاء بالغين وإن لم يكونوا عدولاً، وإذا أقر بعضهم دون بعض ثبتت بالنسبة إلى حصة المقر دون المنكر. وكما يثبت بإقرارهم أصل الوصية بالمال يثبت به ولاية الوصي عليه لو أقروا بوصايته أيضاً. وإذا كان المقر منهم عدلاً جرى على إقراره حكم الشهادة المتقدم في المسائل السابقة.
(مسألة 5): يثبت الرجوع عن الوصية بالعلم، وبإقرار الموصي، وبالبينة، وهي شهادة رجلين عادلين. كما يثبت الرجوع عن الوصية السابقة بالشهادة على الوصية اللاحقة بالوجه المتقدم في المسائل السابقة. نعم لا يثبت بإقرار الورثة أو بعضهم بالوصية اللاحقة إذا لم يكونوا عدولاً. أما إذا كانوا عدولاً فيجري على إقرارهم حكم الشهادة، كما تقدم.
(مسألة 6): إذا دفع إنسان مالاً لآخر وأوصاه بإنفاقه في وجه من الوجوه بعد وفاته وجب على آخذ المال إنفاقه فيما أوصاه به إن احتمل صحة الوصية المذكورة منه، لكون المال دون الثلث، أو لكون الوجه المذكور من الواجبات المالية التي تخرج من الأصل، أو لعدم ملك الدافع للمال، بل هو مال معين للمصرف الذي ذكره، أما إذا علم بعدم صحتها فيجب عليه مراجعة الورثة إن احتمل كونه ملكاً للدافع، وإن علم بعدم ملكيته له جرى عليه حكم مجهول المالك.
في التصرفات المنجزة
للإنسان أن يتصرف في ماله ما دام حياً، تصرفاً منجزاً بما يشاء، سواء أضر بالورثة ـ كما في الإبراء من الدين، وفي التمليك المجاني، والمعاوضي المبني على المحاباة، ونحوها ـ أم لا، وسواء كان مريضاً مرض الموت أو غيره أم صحيحاً.
(مسألة 1): لا يكفي في التصرف المنجز التسجيل الرسمي في دائرة الطابو ونحوها، بل لابد فيه من تحقق التمليك المعاوضي أو المجاني بشروطه، بحيث لو أراد الثاني أن يستقل بالمال ويمنع الأول منه لم يكن ظالماً له. نعم لو شك في أن التمليك الرسمي تابع أو مقارن لتمليك شرعي حقيقي أو لا، بل هو تمليك صوري لزم البناء ظاهراً على تحقق التمليك الحقيقي، ويبقى الحكم الواقعي فيما بينه وبين الله تعالى تابعاً لحصول التمليك واقعاً. أما لو علم بأنه حين وقع لم يكن هناك تمليك حقيقي، لكن احتمل إيقاع التمليك الحقيقي بعد ذلك فاللازم البناء ظاهراً على عدمه ما لم يثبت بطريق شرعي.
(مسألة 2): إذا أقر الإنسان بدين أو عين لوارث أو لغيره نفذ عليه في حياته مطلقاً، فللمقر له مطالبته به. كما ينفذ بعد موته في حق وارثه إذا كان المقر مأموناً مرضياً، وإن لم يكن مأموناً لم ينفذ إلا من الثلث، ويقدم على الوصية. هذا إذا كان مبنى الإقرار على الوصية بدفع الدين بعد موته، لصدوره حال حضور الموت أو حال المرض أو في مقام الوصية، أما إذا لم يكن كذلك، بل حصل اعتباطاً فالظاهر نفوذه مطلقاً، وإن لم يكن مأموناً.
(مسألة 3): ليس للإنسان التصرف في ماله تصرفاً معلقاً على موته إلا في الوصية والعتق، وهو المسمى بالتدبير، ولا يصح غير ذلك من التصرفات، كالوقف والصدقة وإبراء المدين من الدين وغيرها. بل ليس له إلا إيقاعها منجزة فيكون ملزماً بها في حياته، أو الوصية بها فتنفذ بشروط الوصية، فلو أوقع شيئاً من ذلك معلقاً على موته بطل، ولم ينفذ حتى من الثلث، كما لا ينفع في نفوذه إجازة الورثة. نعم في الإبراء إذا رجعت إجازة الورثة إلى إبرائهم المدين بأنفسهم صح إبراؤهم له، أما إذا لم ترجع لذلك، بل إلى مجرد إمضائهم لإبراء مورثهم له فلا يترتب الأثر على إجازتهم، ولا سيما إذا صدرت منهم الإجازة بعد تحقق الوفاء من المدين، حيث لا موضوع معه لإبرائهم له بأنفسهم، وإن كان موضوعه متحققاً حين إبراء مورثهم. والله سبحانه وتعالى العالم.
والحمد لله رب العالمين.
انتهى الكلام في كتاب الوصية ضحى الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول عام ألف وأربعمائة وستة عشر للهجرة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلوات وأزكى التحيات، في النجف الأشرف ببركة المشهد المشرف على مشرفه الصلاة والسلام، وبه ختام الجزء الثاني من رسالتنا (منهاج الصالحين) المشتمل على القسم الأول من أحكام المعاملات. ونسأل الله تعالى العون والتوفيق والتأييد والتسديد وهو حسبنا ونعم الوكيل.