كتاب الوقوف والصدقات

تشترك الصدقات جميعاً في ابتنائها على خروج المالك عن ملكه وعدم انتفاعه به، إلا أنها على قسمين:

الأول: ما يبتني على حبس العين من أجل استيفاء منفعتها أو نمائها تدريجاً في الجهة المتصدق عليها.

الثاني: ما لا يبتني على ذلك، بل على مجرد خروج المال عن ملك مالكه، مع بقائه على ما هو عليه صالحاً للتصرف في الوجوه المختلفة والتنقل بينها. والأول هو الوقف وما ألحق به، والثاني بقية الصدقات. فيقع الكلام في القسمين معاً في ضمن مبحثين..

المبحث الأول

في الوقف وما ألحق به

الوقف عبارة عن إخراج العين عن ملك مالكها وتحبيسها من أجل استيفاء منفعتها أو نمائها مع تسبيل تلك المنفعة أو النماء وبذلهما لجهة معينة عامة أو خاصة. ويقع الكلام فيه ضمن فصول.

الفصل الأول

في أقسام الوقف

الوقف على قسمين..

(القسم الأول): ما كان متقوماً بحفظ عنوان خاص من دون نظر إلى موقوف عليه تعود المنفعة إليه. وهو وقف المسجد، فإنه يتقوم بعنوانه من دون نظر إلى منفعة خاصة ترجع لموقوف عليه خاص، والانتفاع به للمصلين ونحوهم من توابع العنوان المذكور لا من مقوماته. والظاهر أن مثله في ذلك وقف المشاهد المشرفة التابعة للمراقد المقدسة ونحوها، فإن المنظور فيها عنوان الحرم للمرقد المذكور أو نحوه، وانتفاع الزوار وغيرهم بها من توابع ذلك لا من مقوماته. وكذا ما تعارف في بعض البلاد النائية عنها من جعل شبيه للمرقد والحرم الخاص، أو جعل مكان منسوب للنبي أو للإمام أو الولي نحو نسبة يقصد منها تشريف المكان بنسبته له إعلاءً لذكره وشداً لقلوب الناس نحوه، فإن الوقف في جميع ذلك متقوم بحفظ العنوان الخاص، وليس انتفاع من ينتفع بالمكان إلا تابعاً لذلك من دون أن يكون مقوماً له. ولا تملك المنفعة في مثل ذلك، ولا تقع مورداً للمعاوضة، كما لا تقع مورداً للضمان بالغصب أو الاستيفاء.

(مسألة 1): إذا وقف مكان للمصلين أو الزائرين أو الداعين أو المنشغلين بالثناء على الله تعالى، أو على صاحب المرقد لم يكن المكان المذكور مسجداً ولا حرماً ولا نحوه مما تقدم ذكره، ولا يكون الوقف المذكور من هذا القسم، بل من القسم الآتي.

(مسألة 2): لا يصح هذا القسم من الوقف مع عدم مشروعية العنوان، لكونه شعاراً مشيداً بدعوة باطلة يعلم من الشارع الأقدس عدم الرضا بتشييدها، كالأماكن المختصة بالأديان الوثنية والمنسوخة والمبتدعة التي يكون اختصاصها بتلك الأديان كاختصاص المساجد بدين الإسلام، وكالمشاهد التابعة لمراقد أهل الكفر والضلال والبدع، ونحو ذلك. نعم لا بأس بما كان منها يمثل حقاً قد استغله أهل الضلال، كالمساجد التي يستغلها المخالفون، والمساجد التابعة للأديان المنسوخة قبل نسخها التي هي في الحقيقة مساجد تابعة للإسلام الذي هو دين الفطرة وقد استغلها المنتسبون لتلك الأديان بعد نسخها، وكالمشاهد التابعة لمراقد المؤمنين التي يستغلها أهل البدع والضلال، فإنه يصح وقفها، وإن كان استغلالها من أهل الدعوة الباطلة غير شرعي.

(القسم الثاني): ما كان مبتنياً على وجود موقوف عليه تعود المنفعة أو الثمرة إليه، وله صور ثلاث..

الاُولى: أن يبتني على بذل المنفعة أو الثمرة لهم ليستوفوها وينتفعوا بها بأنفسهم من دون أن يتملكوها، كوقف المدارس على طلاب العلم، ووقف الخانات والمنازل على الزائرين أو المسافرين أو الفقراء، ووقف كتب العلم أو الأدعية أو الزيارات على أهل العلم أو المؤمنين أو الزائرين، ووقف الأشجار والمياه على العابرين، ونحو ذلك. ومنه بعض أنواع الوقف الذري كوقف الدار على أولاده ليسكنوها، ووقف البستان عليهم ليأكلوا ثمرتها. ولا تصح المعاوضة في ذلك على المنفعة أو الثمرة من قبل الموقوف عليهم ولا من قبل الولي، كما أنهما لا يكونان مضمونين على الغير بالغصب أو الاستيفاء أو الإتلاف.

الثانية: أن يبتني على ملكية المنفعة أو الثمرة لهم، كما لو قال: الدار وقف على أولادي على أن تكون منفعتها لهم، أو: البستان وقف على أولادي على أن تكون ثمرتها لهم، وحينئذٍ يترتب أثر ملكهم لها وإن لم يقبضوها، وتجب فيها الزكاة والخمس بشروطهما، كما يجوز لهم المعاوضة عليها بأنفسهم أو بتوسط ولي الوقف حسب شرط الواقف. وتكون مضمونة لهم على الغير بالغصب أو الاستيفاء أو الإتلاف.

(مسألة 3): الظاهر عدم إرادة هذه الصورة إذا كان الموقوف عليه عنواناً عاماً غير منحصر الأفراد عرفاً كالعلماء والسادة والفقراء والزوار ونحوهم. وإنما يمكن إرادة هذه الصورة مع انحصار الموقوف عليهم بعدد تنقسم عليه المنفعة أو الثمرة حسب السهام التي يعينها الواقف.

الثالثة: أن يبتني على تمليك الولي المنفعة أو الثمرة لهم بنفسها أو ببدلها، بحيث لا يتحقق الملك ولا تترتب آثاره بمجرد وجود المنفعة أو الثمرة، بل بعد تمليك الولي وقسمته لها عليهم. والظاهر الضمان فيها حتى بطروء سببه قبل تمليكهم، فيجب على الولي تمليكهم البدل كما كان يجب عليه تمليكهم الأصل.

(مسألة 4): لا يصح الوقف في هذا القسم بصوره الثلاث مع حرمة المنفعة المعينة في الوقف، كوقف آلات اللهو والقمار، وكذا مع حرمة الصرف المقصود منه، كالوقف على طبع كتب الضلال وعلى إعانة الداعين إليه وعلى ترويج الفسق والفجور وإعانة الظالمين ونحو ذلك.

الفصل الثاني

في إنشاء الوقف وشروطه

لا يتحقق الوقف إلا بإنشاء الواقف له، وذلك بفعل ما يدل عليه بداعي جعله له وإبراز التزامه به، كما هو الحال في سائر الاُمور الإنشائية من العقود والإيقاعات.

والإنشاء المذكور يكون بأحد أمرين:

الأول: القول بمثل: وقفت كذا، أو حبسته وسبلته، أو نحوهما بداعي جعل ذلك، لا الإخبار عنه نظير إخبار الأجنبي.

الثاني: الفعل، كالتوقيع على ورقة الوقفية لبيان الالتزام بمضمونها، ودفع العين الموقوفة لمن يتولى استغلالها في الجهة التي وقفت عليها، كولي الوقف أو ولي تلك الجهة، ومثل فرش الفراش في المسجد أو المشهد أو نحوهما، أو نصب السراج فيه بداعي جعله وقفاً عليه، ومثل الإذن في الانتفاع بالوقف بالوجه المناسب له ولو بمثل فتح باب المسجد ليصلي الناس فيه، إلى غير ذلك مما يصدر من الواقف بداعي جعل الوقف وبيان الالتزام به.

(مسألة 1): يكفي في إنشاء الوقف قيام وكيل الواقف به، ولا يجب مباشرة المالك له.

(مسألة 2): الوقف من الإيقاعات، لا من العقود، فلا يحتاج إلى قبول الموقوف عليهم، سواء كان وقفاً عاماً ـ كالوقف على الفقراء أو المسجد أو المشهد ـ أم خاصاً، كالوقف على ذرية شخص معين. نعم لابد مع منافاته لحق الغير من إذن من له الولاية على ذلك الحق، فإذا أراد أن يوقف فراشاً على أن يفرش في دار زيد، أو ثلاجة على أن تنصب في المسجد، أو مشربة على أن توضع في الطريق بنحو قد تزاحم المارة، فاللازم إذن مالك المكان أو وليه في ذلك. لكن الإذن المذكور ليس شرطاً في صحة الوقف، بل شرط في جواز العمل بمقتضاه ما دام حاصلاً، فإذا ارتفع الإذن تعذر العمل بمقتضى الوقف، وقد يستتبع ذلك بطلانه.

(مسألة 3): الأحوط وجوباً اشتراط الوقف بقصد القربة، لكن الظاهر أنه يكفي وإن صدر ممن لا تصح عبادته كالكافر.

(مسألة 4): يعتبر في صحة الوقف القبض في حياة الواقف، فإذا مات قبله لم يصح الوقف، بل تصير العين الموقوفة ميراثاً، والأحوط وجوباً كون القبض بإذن الواقف، كما أن له الرجوع في الوقف قبل القبض.

(مسألة 5): إذا نصب الواقف قيماً على الوقف ـ ولو كان هو الواقف نفسه ـ كفى قبضه، بل الأحوط وجوباً عدم الاجتزاء بقبض الموقوف عليهم حينئذٍ.

(مسألة 6): إذا لم ينصب الواقف قيماً على الوقف كفى قبض الطبقة الاُولى من الموقوف عليهم أو قبض وكيلهم أو وليهم عنهم، فإن كانوا تحت ولاية الواقف ـ كأولاده الصغار ـ كفى قبضه عن قبضهم. وحينئذٍ لو لم تكن العين الموقوفة تحت يد الواقف فلابد في صحة الوقف من قبضه لها.

(مسألة 7): في الوقف على الجهات العامة إذا لم ينصب الواقف قيماً فالأحوط وجوباً عدم صحة الوقف إلا بحصول التصرف المناسب للوقف، كالصلاة في المسجد، والدفن في المقبرة، والسكنى من المسافرين في الخان الموقوف عليهم، والصلاة أو إقامة المآتم في الحسينية، ونحو ذلك. أما إذا لم يبتن الوقف على تصرف مناسب في العين الموقوفة، كما لو وقف بستانه على أن تكون ثمرته للفقراء فالأحوط وجوباً عدم صحة الوقف إلا مع الجري على مقتضى الوقف. نعم إذا رجع عدم نصب القيم إلى كون الواقف هو القيم كفى قبضه في الجميع. وعلى كل حال لا يحتاج إلى قبض الحاكم الشرعي، بل لا أثر له.

(مسألة 8): في الوقف التابع لوقف آخر يكفي عن القبض جعله على النحو الذي وقف عليه، كالمشهد يبنى تبعاً للمرقد، وتوسعة المسجد بما يلحق به، وبناء حائط المكان الموقوف، ونصب الباب الموقوفة له فيه، ووضع الفراش في المسجد الموقوف عليه، ونصب السراج والمروحة الموقوفين عليه فيه، إلى غير ذلك.

(مسألة 9): في الوقف على جماعة مخصوصين لا يكفي قبض بعضهم من الطبقة الاُولى إلا في حصته من الوقف.

(مسألة 10): لا يكفي في القبض في المقام رفع الواقف يده عن العين الموقوفة والتخلية بينها وبين الموقوف عليه، كما لا يكفي فيه التسجيل الرسمي، ولا بذل الثمرة أو المنفعة للموقوف عليهم وأخذهم أو استيفاؤهم لها، بل لابد فيه من استيلاء القابض على العين الموقوفة خارجاً، بحيث تكون في حوزته عرفاً.

(مسألة 11): لا يعتبر إمكان القبض حين الوقف، ولا كون العين الموقوفة تحت سيطرة الواقف، بل يكفي تحقق القبض أو ما هو بمنزلته بعد ذلك وإن كان متعذراً حين الوقف، فيصح وقف الحيوان الشارد والعين المغصوبة ونحوهما مما لا سيطرة للواقف عليه، والوقف على الغائب والسجين ونحوهما ممن لا يستطيع القبض. غاية الأمر أنه لابد من تحقق القبض في جميع ذلك ولو بعد الوقف بزمان طويل إذا بقي الواقف ولم يرجع في وقفه.

(مسألة 12): يعتبر في الوقف التأبيد، فلو وقته بمدة لم يقع وقفاً، بل يحمل على التحبيس ويصح، إلا أن يعلم إرادة الوقف فيبطل. ويجري ذلك فيما يوقف على من يتوقع انقراضه، وأما ما يوقف على من لا يتوقع انقراضه فاتفق انقراضه فالظاهر أنه يكون وقفاً، ويرجع بعد الانقراض صدقة.

(مسألة 13): إذا وقف عيناً وشرط عودها إليه عند الحاجة فالظاهر البطلان، إلا أن يرجع ذلك إلى تحبيسها ما دام مستغنياً عنها، فيصح حبساً، وإذا احتاج إليها رجعت له منفعتها، وأما العين فهي لا تخرج عن ملكه كي تعود إليه.

(مسألة 14): يعتبر في صحة الوقف التنجيز، فيبطل لو علقه على أمر مستقبل معلوم الحصول، كقدوم المسافر وطلوع هلال شهر خاص، وكذا إذا علقه على أمر حالي محتمل الحصول لا تتوقف عليه صحة الوقف، كما إذا قال: داري وقف إن كان هذا الجنين ذكراً. إلا إذا كان ذلك الأمر مما يتوقف عليه صحة الوقف فإن الظاهر الصحة، كما إذا قال: إن كان هذا ملكي فهو وقف.

(مسألة 15): إذا قال: هذا وقف بعد وفاتي، كان من الوقف المعلق وبطل. إلا أن يريد بذلك أنه يوصي بأن يوقف بعد وفاته، فتنفذ من الثلث، أو بإجازة الوارث، وحينئذٍ يجب أن يوقف بعد وفاته عملاً بالوصية.

(مسألة 16): لا يصح الوقف على النفس مستقلاً ولا منضماً للغير، ولو وقف كذلك بطل في الكل. بل الظاهر عدم صحة الوقف على الغير إذا اشترط الواقف عليه القيام بمؤنته، أو بأداء الحقوق الواجبة عليه، أو وفاء ديونه من نماء الوقف الذي يصله أو من مال آخر له. وكذا إذا جعل لمتولي الوقف سهماً من وارد الوقف وكان الواقف هو المتولي له في بعض الطبقات. نعم إذا كان الجعل في مقابل عمل يقوم به المتولي في إدارة الوقف وشؤونه فلا بأس به، وإن كان الأحوط وجوباً فيه الاقتصار على ما إذا لم يكن الجعل أكثر من قيمة العمل.

(مسألة 17): إذا وقف عيناً على أن يوفّى من نمائها عنه بعد موته ما عليه من ديون الناس، أو الحقوق الشرعية، أو يؤدى عنه العبادات الواجبة أو المستحبة فالظاهر الصحة.

(مسألة 18): لا يجوز للواقف أن يوقف العين مع استثناء منفعة خاصة منها ـ محددة بزمان معين أو نوع معين ـ لنفسه، بحيث تبقى ملكاً له غير مشمولة بالوقف.

(مسألة 19): إذا آجر المالك العين أو صالح على منفعتها مدة معينة ثم أوقفها قبل انقضاء المدة لم تدخل المنفعة في المدة المذكورة في الوقف، أما لو فسخ الإجارة أو المصالحة بخيار أو تقايل ففي عود المنفعة إليه أو دخولها في الوقف إشكال. ولا ينافي ذلك ما سبق في كتاب الإجارة من رجوع المنفعة للبائع، للفرق بين البيع والوقف بإمكان استثناء المنفعة في البيع دون الوقف.

(مسألة 20): إذا أراد الواقف التخلص من محذور الوقف على النفس أمكنه تمليك العين لغيره ـ بهبة أو بيع أو مصالحة أو غيرها ـ ثم يوقفها من تملكها على النحو الذي يريده صاحبها الأول وإن كان بنحو يقتضي انتفاعه بها. وله ان يتوثق لنفسه باشتراط الوقف بالنحو المذكور في ضمن عقد التمليك، ليكون له فسخ عقد التمليك لو امتنع الطرف المذكور أن يوقف العين أو تعذر عليه ذلك.

(مسألة 21): يجوز لمن وقف مسجداً أو حرماً أو نحوهما مما لم يؤخذ فيه موقوف عليه خاص أن يصلي فيه أو يزور أو ينتفع به بالنحو الذي يجوز لسائر المسلمين. وكذا يجوز انتفاع الواقف بالعين التي أوقفها على العناوين العامة إذا ابتنى وقفها على بذل المنفعة أو النماء للموقوف عليهم ليستوفوها بأنفسهم من دون أن يتملكوها، وهي الصورة الاُولى من الصور الثلاث للقسم الثاني من قسمي الوقف المتقدمين في الفصل الأول، ولا يجوز له الانتفاع في غير ذلك، إلا في طول انتفاع الموقوف عليهم، كنزوله ضيفاً عليهم، أو استعارته العين منهم.

(مسألة 22): يتعارف عند أهل البوادي والريف الوقف على وجهين:

أحدهما: أن يوقفوا شاةً أو بقرة مثلاً لتكون (منيحة) ينتفع بصوفها ولبنها على أن يكون الذكر المتولد منها ذبيحة يذبح ويؤكل والأنثى المتولدة منها (منيحة) كأمها، وهكذا.

ثانيهما: الوقف لأحد المعصومين (صلوات الله عليهم) أو الأولياء، فيوقفون شاة خاصة مثلاً أو حصة مشاعة من غنمهم لتبقى الأنثى للاستيلاد على النحو المتقدم ويذبح الذكر في سبيل الموقوف له، أو يباع ويصر ف ثمنه في سبيله. والظاهر الصحة في الصورتين معاً.

نعم حيث تقدم عدم صحة الوقف المعلق فلابد من تنجيز الوقف في الصورتين، فلو علق على شفاء مريض أو فك أسير أو ورود مسافر أو سلامة غنمهم من المرض أو نحو ذلك بطل. كما أنه حيث تقدم لزوم خروج الواقف عن الوقف فلابد من عدم ابتناء الوقف على تملك الواقف بنفسه للصوف أو اللبن أو اللحم أو أثمانها، بل تكون لغيره، أو تبذل لعنوان عام يدخل فيه ـ كالفقراء أو الآكلين في المضيف ـ فينتفع بها من دون أن يتملكها على ما تقدم في المسألة (21) أو تكون ملكاً له في مقابل خدمته للوقف وما يبذله عليه من علف أو نحوه لو احتاج إلى ذلك على النحو المتقدم في المسألة (16).

(مسألة 23): إذا تم الوقف بشروطه المتقدمة كان لازماً لا يجوز للواقف الرجوع فيه، ولا للورثة رده حتى إذا وقع في مرض الموت وزاد على الثلث.

(مسألة 24): إذا اشترط الواقف على الموقوف عليهم شرطاً، فإن رجع إلى مجرد إلزامهم به لم ينفذ ولم يجب الأمر المشروط عليهم، وإن رجع إلى تقييد دخولهم في الوقف بقيامهم به فالظاهر نفوذه، لكن لا يجب عليهم القيام به، غاية الأمر أنه مع عدم قيامهم به يخرجون عن الوقفية. والظاهر أن المراد بشرط الواقف مع عدم القرينة هو الثاني، وأما الأول فهو يحتاج إلى قرينة وعناية.

الفصل الثالث

في شروط الواقف

(مسألة 1): يعتبر في الواقف أن يكون مالكاً للعين الموقوفة، مختاراً، نافذ التصرف فيها بالعقل وعدم الحجر لسفه أو رق أو فلس، على التفصيل المتقدم في كتاب الحجر.

(مسألة 2): الأحوط وجوباً عدم نفوذ الوقف من الصبي قبل البلوغ حتى لو بلغ عشر سنين وكان وقفه بالمعروف. نعم إذا كان الوقف صلاحاً له فأوقف بإذن وليه نفذ.

(مسألة 3): يصح الوقف من ولي الصبي إذا كان صلاحاً للصبي، كما يصح الوقف من ولي المال في الوقف من سهم الإمام (عليه السلام)، ومن المال الزكوي، ومن المال الموصى به، ونحوها.

(مسألة 4): الظاهر عدم جريان حكم الفضولي في الوقف، فلو وقف غير المالك لم ينفذ وقفه بإمضاء المالك، ولو وقف المالك مكرهاً لم ينفذ وقفه برضاه بعد ذلك. وكذا لو وقف وهو غير نافذ التصرف، فإنه لا ينفذ برضا وليه أو رضاه بعد نفوذ تصرفه.

(مسألة 5): لا يعتبر في الواقف الإيمان، بل ولا الإسلام، فيصح الوقف من المخالف والكافر.

الفصل الرابع

في شروط العين الموقوفة

يعتبر في العين الموقوفة اُمور..

الأول: أن تكون عيناً، فلا يصح وقف المنفعة إلا أن يرجع إلى الحبس أو العمرى أو الرقبى التي يأتي الكلام فيها.

الثاني: أن تكون موجودة، فلا يصح وقف المعدوم كوقف ولد الدابة قبل وجوده. وفي جواز وقف الحمل قبل ولادته إشكال. نعم يجوز وقف المعدوم تبعاً للموجود، كوقف الدابة على أن يكون نسلها وقفاً مثلها.

الثالث: أن تكون شخصية، فلا يصح وقف الكلي، سواء كان ديناً في ذمة الغير ـ كما لو كان له في ذمة شخص شاة فأوقفها قبل قبضها ـ أم لم يكن، كما لو قال: وقفت شاة، قاصداً تعيينها بعد ذلك. بل لا يصح وقف الكلي في المعين، كما لو كان عنده قطيع من الغنم، فقال: وقفت شاة من هذا القطيع.

الرابع: أن تكون معينة، فلا يصح وقف المردد، كما لو قال: وقفت إحدى هاتين الشاتين.

الخامس: أن تكون لها منفعة قابلة للتحصيل مع بقاء عينها، كالشجرة ينتفع بها في الاستظلال والثمرة، والشاة ينتفع بها في الولد واللبن والصوف، والبقرة ينتفع بها في اللبن والولد والحرث، والثياب ينتفع بها في اللبس، والدار ينتفع بها في السكن، والأرض ينتفع بها في الزرع، والحلي ينتفع بها في التزين، وهكذا. ولا يصح وقف ما يتوقف الانتفاع به على تلف عينه، كالطعام والفواكه والصابون.

(مسألة 1): الظاهر عدم جواز وقف النقود لينتفع بها في الاقتراض، أو وقفها لينتفع بها في الاستثمار، لعدم بقاء عينها معه، بل لا يتحقق الانتفاع إلا باستبدالها. نعم الظاهر جواز جعلها لذلك على أن تكون نحواً من الصدقة غير الوقف، كما في التبرع لبعض المشاريع الخيرية، فيجعل قسم من المال لصندوق خيري من أجل إقراض المؤمنين، أو يتبرع به لمؤسسة خيرية من أجل الاتجار به أو غيره من وجوه الاستثمار لصالحها، أو يعين الحيوان للذبح في مناسبة خيرية.

(مسألة 2): لا يعتبر قابلية العين للانتفاع حين الوقف، بل يكفي صلوحها له ولو بعد ذلك، فيصح وقف الحيوان الصغير الذي لا يصلح للانتفاع بالحمل أو اللبن إلا بعد زمان طويل، كما يصح وقف الأرض للزرع وإن كانت سبخة لا تصلح للزرع إلا بعد العلاج.

السادس: أن تكون المنفعة المسبلة في الوقف محللة، فلا يصح وقف آلات القمار واللهو المحرّم، ليستعملها الموقوف عليه أو لينتفع بأجرتها.

السابع: أن تكون العين مملوكة، أو متعينة لجهة خاصة كالمال الزكوي، فلا يصح وقف المباحات الأصلية، ولا وقف الحر.

الفصل الخامس

في شروط الموقوف عليه

يعتبر في الموقوف عليه اُمور..

الأول: أن يكون موجوداً، فلا يصح الوقف على المعدوم، سواء كان موجوداً قبل ذلك ـ كما لو وقف على زيد بعد موته ـ أم سيوجد، كما لو وقف على أولاده ولم يولد له بعد، حتى لو كان له حمل لم ينفصل. والمتيقن من ذلك ما إذا كان مفاد الوقف أمراً يتوقف على وجود الموقوف عليه، كما لو كان مفاده التملك أو الانتفاع فعلاً. أما إذا كان مفاده مجرد صرف وارد الوقف عليه أو تمليكه له حين وجوده فالظاهر صحة الوقف، كما لو وقف الدار على أن يجمع المتولي واردها ويدفعه لمن سيولد له، أو ينفقه عليه، أو وقفها لينفق واردها في صالح الحمل الموجود فعلاً ولم ينفصل. كما أنه لو كان مفاده التمليك في المستقبل عند وجود الموقوف عليه فالظاهر الصحة أيضاً، كما لو وقف شجراً لا يثمر إلا بعد سنين على من سيولد له، فإنه يصح وإن كان مفاد الوقف ملكية الموقوف عليه للثمر بمجرد ظهوره. نعم لا مجال لذلك فيمن وجد سابقاً ومات قبل الوقف، بل يتعين البطلان مطلقاً. وكذا لو صادف عدم وجود الموقوف عليه في المستقبل على خلاف ما كان يتوقعه الواقف، فإنه ينكشف بطلان الوقف عليه من أول الأمر مطلقاً أيضاً.

(مسألة 1): في صورة بطلان الوقف على المعدوم إذا حصل الوقف المذكور بطل الوقف بتمامه إن كان في الطبقة الاُولى، وكذا إن كان في الطبقات اللاحقة إذا كان انعدام الموقوف عليه متوقعاً. نعم إذا كان انعدامه مستمراً فقد تقدم في المسألة (12) من الفصل الثاني أنه يحمل حينئذٍ على التحبيس. وأما إذا لم يكن انعدامه متوقعاً فالظاهر صحة الوقف، وحينئذٍ إن كان الانعدام مستمراً انقلبت العين الموقوفة صدقة، وإن كان مؤقتاً بقيت العين وقفاً، وكانت الثمرة أو المنفعة عند انعدام الموقوف عليه صدقة مطلقة وترجع إلى الموقوف عليهم بعد عودهم.

الثاني: أن يكون معيناً، فلا يصح الوقف على المردد، كالوقف على العلماء أو الفقراء، والوقف على أحد المسجدين، أو أحد الوالدين، إلا أن يرجع إلى الوقف على أحد الأمرين على نحو التخيير في الصرف، أو إلى الصرف على كل منهما عند احتياجه.

الثالث: أن لا يكون الوقف عليه ليصرفه في المعصية كالزنا وشرب الخمر وترويج الباطل ونحوها.

الفصل السادس

في الولاية على الوقف

(مسألة 1): للمالك جعل الولاية والقيمومة على الوقف لنفسه ولغيره، سواء كانت الولاية في استثمار الوقف، أم في صرف نمائه، أم في عمارة العين الموقوفة وإصلاحها وحفظها. وحينئذٍ لا يجوز لغير الولي التصرف من دون إذنه.

(مسألة 2): يجوز جعل الولاية لأكثر من واحد بنحو التشريك أو الترتيب أو بنحو يقتضي استقلال كل واحد عند سبقه للتصرف أو عند حضوره أو غير ذلك.

(مسألة 3): لا يعتبر في الولي المجعول أن يكون عادلاً.

(مسألة 4): لا تتوقف ولاية الولي المجعول من قبل الواقف على قبوله، كما لا تبطل برده، غاية الأمر أنه لا يجب عليه العمل بمقتضى الولاية، وله التخلف عنها، فيصير الوقف كما لو لم يجعل الواقف له ولياً. نعم إذا كان الوقف تحت يده لم يجز له التفريط به، بل لا يجوز له تسليمه إلا إلى من هو مأمون عليه كالولي الذي يجعله الحاكم الشرعي، كما هو الحال في كل من يكون الوقف تحت يده، كما أنه لو رضي بالقيام بمقتضى الولاية بعد الامتناع عنه كان هو المتعين لذلك، ولا تسقط ولا يته بالامتناع المذكور.

(مسألة 5): للواقف أن يجعل للولي شيئاً من نماء العين الموقوفة في مقابل قيامه بمقتضى الولاية، سواء كان بقدر أجرة المثل، أم أكثر، أم أقل. ولا يجوز للولي أن يأخذ أكثر مما جعل له، كما لا يجوز له أن يأخذ شيئاً لو ابتنى جعله ولياً على قيامه بمقتضى الولاية مجاناً. نعم له الامتناع عن القيام بمقتضى الولاية في الحالين معاً، فيلحقه ما يأتي في المسألة (11).

(مسألة 6): إذا لم يجعل الواقف ولياً على الوقف ففي الوقف الخاص ترجع الولاية للموقوف عليهم، ومع تشاحهم لابد من الرجوع للحاكم الشرعي لحل المشكلة بينهم باختيار ما هو الأوفق بنظره بمصلحة الوقف، وفي الوقف العام تكون الولاية للحاكم الشرعي، فلا ينفذ التصرف مع عدم مراجعته. نعم لا يحتاج لمراجعته في الانتفاع به بمقتضى الوقفية، وفي خدمته وإصلاحه فيما لا يحتمل فيه فساد من جهة ما، أما مع احتمال الفساد فلابد من الرجوع للحاكم الشرعي. وكذا الحال إذا تردد العمل بمقتضى الوقف بين وجهين أو أكثر، فإنه لابد من الرجوع للحاكم الشرعي في اختيار الأوفق والأرفق بالوقف والموقوف عليهم، كما إذا حصل التردد في وقت فتح المسجد أو الحرم، أو في وقت الإنارة أو التبريد أو غير ذلك.

(مسألة 7): إذا لم يقم الولي المجعول من قبل الواقف بمقتضى ولايته خيانة أو عجزاً أو امتناعاً، فإن كان الواقف قد عين خلفاً له فهو، وإلا جرى على الوقف حكم الوقف الذي لم يعين الواقف له ولياً. ولو عاد وأراد القيام بمقتضى الولاية كان له ذلك، ولم يسقط عن الولاية بقصوره أو تقصيره السابق، إلا أن تتضمن الوقفية انعزاله بذلك.

(مسألة 8): إذا كانت الولاية للموقوف عليهم فلابد من مراعاتهم مصلحة الوقف بالإضافة إلى جميع البطون، لا بالإضافة إلى خصوص الموجودين، وليس لهم التصرف فيه تصرفاً يلزم البطون اللاحقة إلا إذا كان صلاح الوقف في ذلك، فليس لهم إجارته مثلاً مدة تزيد على أعمارهم إلا إذا كانت صلاحاً للوقف، ولا يكفي كونها صلاحاً للبطن الموجود.

(مسألة 9): في مورد الرجوع للحاكم الشرعي تكون للحاكم الولاية على التصرف بنفسه أو بوكيله الذي ينعزل بعزل الحاكم أو بموته، وليس له نصب القيم عليه بحيث لا ينعزل بعزل الحاكم ولا بموته. وكذا الحال في الموقوف عليهم إذا صارت لهم ولاية الوقف، فإن لهم جعل الوكيل عنهم في إدارة أمر الوقف، لا نصب القيم على الوقف. نعم إذا تضمنت الوقفية ولاية الموقوف عليهم أو الحاكم أو غيره على نصب القيم كان له نصبه، فتثبت له القيمومة ولا ينعزل حينئذٍ بعزل من نصبه أو بموته.

(مسألة 10): للحاكم الشرعي أن يجعل للوكيل الذي يقوم مقامه في إدارة الوقف شيئاً من نماء الوقف إذا كان الوقف محتاجاً له وامتنع من القيام بذلك مجاناً، سواء عيّن الواقف لمن يقوم بأمر الوقف شيئاً أم لم يعيّن. نعم مع التعيين لا يجوز الزيادة على ما عيّن إلا مع انحصار الأمر بمن يطلب الزيادة. وكذا الحال في وكيل الموقوف عليهم إذا صارت الولاية لهم.

(مسألة 11): إذا عيّن الواقف ولياً للوقف على أن يقوم بإدارته مجاناً وامتنع الولي المذكور من إدارته إلا بأجرة، فإن وجد الحاكم الشرعي من يقوم بإدارته مجاناً كان عليه ذلك، وإن لم يجده فالأحوط وجوباً ترجيح الولي الذي عيّنه الواقف ودفع الأجرة له، إلا أن يطلب أكثر من غيره فيجب اختيار الأقل.

(مسألة 12): مع تعذر الرجوع للحاكم الشرعي يتعين الرجوع لعدول المؤمنين من أهل المعرفة مع تيسرهم، وإلا تعين الرجوع للأكثر اهتماماً بمصلحة الوقف الأقرب إلى صلاحه.

الفصل السابع

في أحكام الوقف

(مسألة 1): إذا تم الوقف لا يجوز للواقف ولا لغيره التبديل والتغيير عما وقع عليه في كيفية الوقف، أو في الموقوف عليه، أو في كيفية الانتفاع بالوقف. نعم يجوز للواقف أن يشترط لنفسه أو لغيره التبديل في الموقوف عليهم بإدخال غيرهم فيهم وإخراج بعضهم منهم، أو في كيفية الانتفاع بالوقف، وحينئذٍ يكون العمل على مقتضى الشرط. أما إذا اشترط حق التغيير في كيفية الوقف ففي صحة الشرط إشكال، كما إذا وقف مسجداً على أن له أن يجعله حسينية، أو متجراً ينفق وارده في جهة عامة أو خاصة، أو بالعكس.

(مسألة 2): إذا احتاج الوقف للتعمير أو الإصلاح لأجل بقائه والانتفاع به بالوجه الذي تضمنته الوقفية، فإن كان الواقف قد عين ما ينفق منه عليه وكان ذلك كافياً فهو، وإن لم يعين أو لم يكن ما عينه كافياً، فإن كان هناك من يتبرع بما يحتاج إليه عمر به، وإلا فإن كان الوقف من القسم الأول من القسمين المتقدمين في الفصل الأول فلا مجال لعمارته من الوقف، وإن كان من القسم الثاني منهما فله صورتان..

الاُولى: أن يفهم من الوقف أن ذكر الانتفاع الخاص بالوقف ليس لخصوصيته، بل للاهتمام بانتفاع الجهة الموقوف عليها، كما هو الظاهر في الأوقاف التي يصرف ريعها وواردها في الجهات الخاصة أو العامة، كالأولاد والعشيرة والمساجد والمدارس وطلبة العلم والفقراء وغيرهم، والظاهر حينئذٍ لزوم عمارة الوقف من وارده لتوقف انتفاع الجهة الموقوف عليها بالوقف على العمارة المذكورة، وذلك بإجارته مدة طويلة وإنفاق الأجرة على عمارته، أو بالاتفاق مع المستأجر على أن يقوم بعمارته في مقابل انتفاعه به مدة طويلة، ثم يعود للجهة الموقوف عليها المعروف في عصورنا بالمساطحة، أو نحو ذلك. ولا يضر مع ذلك حرمان الطبقات السابقة، لأن الغرض نفع العنوان دون خصوص الأفراد.

الثانية: أن لا يفهم من الوقف ذلك، بل يعلم أو يحتمل خصوصية الانتفاع الخاص، وهو انتفاع الموقوف عليهم بالوقف مباشرة، كما هو الحال في مثل وقف المدارس والحسينيات ومنازل الزوار والمسافرين ومأوى الفقراء والمنقطعين، بل لعله الظاهر في مثل وقف الدار لسكنى الذرية، ووقف الشجرة لاستظلال المارة بها وأكلهم من ثمرتها، ووقف جهاز التبريد للمسجد أو الحسينية، أو نحو ذلك. وفي مثل ذلك لا تجب عمارة الوقف من وارده، بل لا يجوز ما دام الوقف صالحاً لأن ينتفع به في الجهة التي وقف عليها نفعاً معتداً به، وإن كان قليلاً نسبياً.

أما إذا تعطل الوقف في مثل ذلك أو كان نفعه قليلاً غير معتد به بسبب خرابه فيأتي الكلام فيه في المسألة (5) إن شاء الله تعالى.

(مسألة 3): إذا أمكن تبديل الوقف من حاله الذي وقف عليه إلى حال آخر ـ كتبديل البستان بشقق سكنية، وتبديل الدار بمحلات تجارية، وتبديل المدرسة بمستشفى، وغير ذلك ـ فالظاهر التفصيل في جوازه بين الصورتين المتقدمتين، فيجوز في الصورة الاُولى مع كونه أنفع للموقوف عليهم أو أصلح للوقف، بل قد يجب، ولا سيما مع تعذر الانتفاع به على الوجه الأول الذي وقف عليه لفقده للوازم ذلك، كالبستان ينقطع عنها الماء، والدار في محلة يعرض الناس عن السكنى فيها، أو لمنع السلطان، أو نحو ذلك. وإن احتاج لبذل مال حينئذٍ فإن عيّن له الواقف أو حصل متبرع به فذاك، وإلا أنفق عليه من ريع الوقف ووارده، نظير ما تقدم في المسألة السابقة. وأما في الصورة الثانية فلا يجوز مع إمكان الانتفاع به على الوجه الذي وقف عليه، وأما مع تعذره فيأتي الكلام فيه في المسألة (5) إن شاء الله تعالى.

(مسألة 4): إذا احتاج الوقف لصرف مال في عمارته أو في إدارة شؤونه، فإن كان هناك مال معين للصرف ـ من نفس الوقف أو من التبرعات أو من الحقوق الشرعية المبذولة للصرف المذكور ممن له حق البذل ـ فكما يجوز لمتولي الصرف الإنفاق منه بعينه ـ فيشتري مثلاً أو يستأجر به بشخصه ـ يجوز له الاقتراض عليه والإقراض بنية الرجوع عليه، وكذا إذا كان هناك منفعة أو نماء متوقع مخصصان أو مبذولان له، كعقار أو بستان موقوفين أو مبذولين له. أما مع عدم ذلك فلا يجوز لمتولي الصرف الاقتراض على التبرع المتوقع أو الحق المتوقع بذله للصرف المذكور ولا الإقراض بنية الرجوع عليه. ولو اقترض كان القرض في ذمته وعليه وفاؤه من ماله. ولو أقرض وأنفق لم يتحقق القرض، بل كان ما ينفق تبرعاً منه، ولم يجز له الوفاء ولا الاستيفاء من التبرع أو الحق المبذول بعد ذلك للصرف المذكور، إلا أن يكون التبرع أو البذل لخصوص الوفاء أو الاستيفاء المذكورين، أو يعلم بعمومه له، فلا بأس بالوفاء والاستيفاء منه حينئذٍ. وهذا أمر قد يغفل عنه المتولون للصرف، فاللازم التنبه له.

(مسألة 5): قد يتعطل الوقف عن الانتفاع به بالوجه الذي تضمنته الوقفية لخراب ونحوه، وقد سبق في المسألة (2) أنه يجب عمارته من المال الذي عيّنه الواقف أو من التبرع مع وجودهما، ومع عدمهما فيجب عمارته من ريع الوقف ووارده في الصورة الاُولى من الصورتين المتقدمتين دون الثانية. وحينئذٍ إذا تعذر تعميره في الصورة الاُولى فالظاهر بقاء العين وقفاً على الموقوف عليهم إن كان لها غلة معتد بها، وإلا فهي صدقة عليهم، والأحوط وجوباً حينئذٍ استبدالها بما يدرّ عليهم على نهج الوقف الأول. ومع تعذر شراء شيء أو خوف الضياع عليه بوجه معتد به فالأحوط وجوباً بذله للموقوف عليهم وتوزيعه على الموجودين منهم على نحو توزيع وارد الوقف وريعه.

وأما في الصورة الثانية، فإن أمكن تعمير الوقف من وارده أو من غيره بنحو يحفظ به عنوانه الذي أوقف عليه ويؤدى به الغرض المطلوب منه ولو في الزمن اللاحق فالأحوط وجوباً القيام بذلك. وأما ما تقدم في المسألة (2) من عدم جواز تعميره من وارده في الصورة المذكورة فيختص بما إذا كان خرابه بنحو لا يمنع من الانتفاع به فيما أوقف عليه. وإن تعذر ذلك فالظاهر صيرورة العين صدقة مطلقة يجوز بيعها كما يجوز إبقاؤها والانتفاع بها ولو بعمارتها على وجه آخر غير ما أوقفت عليه. نعم لا تتعين حينئذٍ للوجه الآخر، بل تبقى صدقة مطلقة يجري عليها حكم الصدقات، فيجوز الانتفاع بها بعد خراب العمارة الثانية على وجه آخر، وهكذا مهما تعاقبت عليها العمارات.

هذا ولابد في إجراء الأحكام المذكورة من أن يقوم بذلك ولي الوقف الخاص مع وجوده، وإلا فالحاكم الشرعي، وعليه ملاحظة القرائن العامة والخاصة في تشخيص الصورة والوجه الذي وقع عليه الوقف. ومع اشتباه الحال فاللازم الاحتياط.

(مسألة 6): إذا خرب الوقف وتعذرت عمارته من وارده أو من غيره جاز بيع بعضه لعمارة الباقي من غير فرق بين الصورتين المتقدمتين. وما تقدم من صيرورة العين صدقة إنما هو مع تعذر ذلك.

(مسألة 7): في حكم تعطيل الوقف لخرابه تعطيله لسبب آخر غير الخراب، كما لو تعذر السكن في الدار لمنع السلطان، أو لعدم توفر لوازم السكن، أو غير ذلك، فيجري حينئذٍ التفصيل المتقدم.

(مسألة 8): قد لا يتعطل الوقف بل يبقى صالحاً للانتفاع الذي تضمنته الوقفية، إلا أنه يتعذر انتفاع الموقوف عليه به واستعماله في الوجه الذي أوقف عليه. وذلك لأحد اُمور:

الأول: ارتفاع موضوعه، كما لو وقف شيئاً لعمارة مسجد أو إنارته أو وقف فراشاً أو أثاثاً له فخرب ذلك المسجد أو هجر، وكما لو وقف مدرسة في بلد لطلاب العلم، فترك الناس طلب العلم في ذلك البلد وهاجروا منه، وكما لو وقف شيئاً لمصلحة هيئة أو جمعية معينة فانحلت تلك الهيئة أو الجمعية.

الثاني: الاستغناء عنه، كالاستغناء بالحديث عن القديم في أدوات الإنارة أو التبريد أو الفرش أو الكتب أو الأبواب أو الأخشاب أو غيرها.

الثالث: تعذر استعماله لمنع سلطان أو نحوه.

الرابع: الخوف على العين الموقوفة من التلف أو السرقة أو نحوهما بنحو خارج عن المتعارف غير متوقع حين الوقف.

وحينئذٍ إن كان التعذر مؤقتاً أو يتوقع زواله قريباً بحيث لا يستلزم تعطيل الوقف عرفاً وجب الانتظار، وحرم الانتفاع بالعين الموقوفة في غير الوجه الذي وقفت له، وإلا فالأحوط وجوباً أنه إن أمكن الانتفاع بالعين الموقوفة مع بقاء عينها بمثل الانتفاع الذي أخذ في الوقف تعين الانتفاع المذكور بها في مثل الجهة التي وقفت لها مع حاجتها، فيستعمل ما وقف لمسجد في مسجد، وما وقف لحسينية في حسينية، وما وقف لمدرسة في مدرسة، وما وقف لجماعة من طلاب العلم ـ كالعرب مثلاً ـ في طلاب العلم، مع مراعاة الأقرب فالأقرب في جميع ذلك. ومع تعذر استعماله في مثل تلك الجهة أو الاستغناء عنه فيها يستعمل فيما هو الأقرب فالأقرب لها عرفاً كاستعمال ما وقف للمسجد في حسينية مثلاً ثم في جهة عامة قربية ثم في جهة خاصة قربية أيضاً.

نعم لا يختص الوقف بما يجعل له حينئذٍ، بل يجوز نقله لنظيره اختياراً، فإذا جعل في مسجد مثلاً جاز نقله لمسجد آخر مع حاجته، بل إذا جعل في الأبعد لفقد الأقرب ثم وجد الأقرب فالأحوط وجوباً نقله إليه مع الحاجة.

أما إذا لم يمكن الانتفاع بالعين الموقوفة مع بقاء عينها بمثل الانتفاع الذي أخذ في الوقف في مثل الجهة التي وقفت لها أو الأقرب إليها ـ لعدم صلوحها للاستعمال المذكور كالأخشاب التالفة والفرش المستهلكة، أو للاستغناء عنها في الأمثال والنظائر ـ فالظاهر أنها تكون صدقة يجوز بيعها وصرف ثمنها في مصرف الصدقات.

بقي في المقام أمران:

الأول: أنه يستثنى من ذلك ما إذا دار الأمر بين الانتفاع بالعين الموقوفة في غير الجهة التي وقفت عليها بنحو الانتفاع بها في الجهة التي وقفت عليها وبين الانتفاع ببدلها في نفس الجهة التي وقفت عليها، كما إذا هدم المسجد ودار الأمر بين استعمال آجره وأخشاب بنائه في بناء مسجد آخر وبين بيعها وصرف ثمنها في بنائه، وكما إذا قصرت أدوات إنارته أو تبريده عن الوفاء بحاجته ودار الأمر بين الانتفاع بها في مسجد آخر وبين بيعها وصرف ثمنها في إنارة نفس المسجد أو تبريده. فإن الظاهر هنا لزوم اختيار الثاني، لأنه الأقرب عرفاً للوقف.

الثاني: أن الأحوط وجوباً مع عدم وجود ولي خاص للوقف مراجعة الحاكم الشرعي، واستئذانه في التصرف في العين الموقوفة بالوجه المتقدم عند تعذر الانتفاع بها في الوجه الذي وقفت عليه.

(مسألة 9): إذا جهل مصرف نماء الوقف، فإن أمكن الاحتياط تعين، فإذا تردد مثلاً بين العلماء مطلقاً وخصوص الفقراء منهم، صرف في الفقراء منهم، وكذا إذا تردد بين العلماء مطلقاً والفقراء مطلقاً، وإن تعذر الاحتياط، فإن كانت المحتملات محصورة تعين الرجوع للقرعة، كما إذا تردد بين أحد مسجدين أو بين مساجد معينة، أو تردد بين الدفع للفقراء والصرف لعمارة المسجد، وإن لم تكن محصورة صرف في وجوه البر، والأحوط وجوباً اختيار ما يحتمل كونه مصرفاً للوقف عند التردد بينه وبين ما يعلم بعدم كونه مصرفاً له.

(مسألة 10): إذا آجر الولي العين الموقوفة في الوقف التشريكي أو الترتيبي مدة معينة ـ كسنة مثلاً ـ وفي أثنائها مات بعض الموقوف عليهم أو تمام البطن السابق، أو ولد بعض من يشارك الموقوف عليهم لم تبطل الإجارة بالإضافة إلى حصته في تلك المدة، غاية الأمر أنه ينكشف بطلان التوزيع للأجرة، ويتعين توزيع ما يخص المدة الباقية على النحو المناسب للموت والولاية الحادثين. على أنه لا يبعد أن ينصرف الوقف ـ تبعاً للتعارف ـ إلى توزيع أجرة تمام السنة مثلاً على الموجودين في رأس تلك السنة.

(مسألة 11): الفسيل الخارج بعد الوقف إذا نما واستطال حتى صار نخلاً مثمراً، أو قلع من موضعه وغرس في موضع آخر فنما حتى صار نخلاً مثمراً لا يكون وقفاً، بل هو من نماء الوقف فيجوز بيعه وصرفه في مصارف منفعة الوقف ونمائه، وكذا الحال في الولد الذي يلده الحيوان الموقوف، إلا أن ينص الواقف على وقف النماء المذكور تبعاً للأصل، فيصح كما تقدم. وكذا إذا نص واقف البستان مثلاً على أن للولي أن يغرس في البستان فسيلاً ويجعله وقفاً، ففعل الولي ذلك، فإنه يصير حينئذٍ وقفاً كالنخل الذي أوقفه الواقف بوقفه للبستان.

(مسألة 12): لا يجوز بيع الوقف في القسم الأول من القسمين المتقدمين في الفصل الأول مطلقاً. وكذا في القسم الثاني، إلا أنه يستثنى منه موردان..

الأول: ما إذا بطلت الوقفية وصارت العين صدقة خاصة أو مطلقة، لتعذر الانتفاع بالوقف على الوجه الذي وقف عليه، على ما تقدم مفصلاً في المسائل (5) و(6) و(7) و(8).

الثاني: ما إذا صرح الواقف في الوقف بالإذن في بيعه عند حدوث أمر ـ كاختلاف الموقوف عليهم وحاجتهم ـ بل مطلقاً على الأظهر، وحينئذٍ يصرف ثمنه فيما يذكره الواقف أو يفهم منه.

وقد يدعى جواز البيع أيضاً فيما إذا احتاج الموقوف عليهم وكان البيع خيراً لهم وبرضاهم، وفيما إذا وقع الاختلاف بينهم. لكن الأحوط وجوباً عدمه والاقتصار على ما سبق.

(مسألة 13): المخطوطات الأثرية وإن كانت تبطل وقفيتها إذا سقطت عن الانتفاع وتكون صدقة مطلقة أو خاصة إلا أن الاحتفاظ بها في المكتبات العامة الآمنة من أوضح مصارف الصدقات فلا ينبغي تضييعها ببيع أو نحوه. وكذا الحال في جميع الاُمور الأثرية التي يعتز بها ويهتم بحفظها إذا كان في حفظها إعزاز للدين وأهله.

(مسألة 14): إذا كان مفاد الوقفية تمليك المنفعة أو النماء أو ثمنهما للموقوف عليهم، فإن كان الموقوف عليهم محصورين يمكن الوصول إليهم جميعاً في العادة كان الظاهر التوزيع بينهم جميعاً، ويكون بنحو التساوي ما لم ينص الواقف على التفاضل، وإن لم يكونوا محصورين ولا يمكن الوصول إليهم جميعاً في العادة ـ كالفقراء والسادة ـ فالظاهر التوزيع بينهم في الجملة ولا يجب الاستيعاب.

(مسألة 15): إذا كان مفاد الوقفية أن للموقوف عليهم الانتفاع بالوقف بالمباشرة ـ كالسكنى في الدار والمدرسة، والنزول في منازل المسافرين والزوار، والصلاة أو الجلوس في الحسينية، والأكل من ثمرة الشجرة ـ فإن كان هناك قرينة عامة أو خاصة على مقدار الانتفاع المبذول في الوقف كماً وكيفاً وزماناً عمل عليها، وإلا انصرف للمقدار المتعارف من الانتفاع، وهو يختلف باختلاف الأشياء الموقوفة، فالانتفاع في دار السكن يختلف مساحة عن الانتفاع في سكنى المدرسة، وهما يختلفان عن الانتفاع في منزل المسافرين، ولا يجوز لبعض الموقوف عليهم منع الآخرين. نعم مع ضيق الوقف عن الاستيعاب وتشاح الموقوف عليهم وعدم تضمن الوقفية الترجيح بينهم، فإن كان مفاد الوقفية ثبوت الحق للكل مطلقاً تعين التصالح بينهم في كيفية القسمة بلحاظ الزمان ـ كشهر فشهر أو سنة فسنة ـ أو بلحاظ المقدار بانتفاع كل منهم دون المقدار المجعول في الوقف، أو غير ذلك، ومع عدم التصالح يتعين الرجوع للحاكم الشرعي لفض النزاع، وإن كان مفاد الوقفية ثبوت الحق للكل ما وسعهم الوقف فالترجيح للسابق، ومع عدم السبق فاللازم التصالح في كيفية القسمة أو الرجوع للحاكم، على النهج السابق. هذا كله إذا لم تتضمن الوقفية تحكيم الولي في تعيين من له الانتفاع، وإلا كان هو المرجع مع التشاح.

(مسألة 16): إذا كان مفاد الوقفية أن للموقوف عليهم الانتفاع بالمباشرة فليس لبعضهم أخذ شيء من المال من الباقين بدلاً عن الانتفاع المذكور، ليستقلوا بالانتفاع ولا يشاركهم فيه. نعم له أن يصالحهم على شيء من المال في مقابل عدم إعمال حقه، فيكون أخذ المال في مقابل ترك إعمال الحق، لا في مقابل نفس الانتفاع المستحق.

الفصل الثامن

فيما يثبت به الوقف

لا إشكال في أن الوقف يحتاج إلى إثبات، وأنه لا يحكم به بمجرد الاحتمال، بل يحكم بعدمه حينئذٍ. كما أنه بعد ثبوته والشك في خصوصياته ـ من عموم وخصوص وغيرهما ـ لا مجال للبناء على خصوصية ما من دون إثبات. ولو شك المكلف في دخوله في الموقوف عليهم أو في عموم الوقف لبعض التصرفات لم يحل له التصرف ما لم يحرز عموم الوقف له أو للتصرف المذكور، فإذا شك مثلاً في أن حوض المدرسة أو بئرها أو مرافقها وقف على خصوص طلاب العلم أو على كل وارد لها لم يحل لغيرهم التصرف فيها، وكذا إذا شك في أن المرافق أو الميضاة الملحقين بالمسجد وقف على خصوص من يصلي في المسجد أو على ما يعم غيرهم لم يحل لغير من يصلي في المسجد استعمالها، وهكذا.

(مسألة 1): تثبت الوقفية بالعلم من أي سبب حصل، وبالبينة، وبإخبار ذي اليد، كما تثبت بها كيفية الوقف من كونه مسجداً أو حسينية أو وقفاً تشريكياً أو ترتيبياً، على نحو تمليك المنفعة أو النماء للموقوف عليهم أو بذلهما للانتفاع بهما بالمباشرة، إلى غير ذلك من الخصوصيات.

(مسألة 2): إذا كانت العين تحت يد أكثر من واحد، فإن أخبر الكل بوقفيتها أو بكيفية وقفيتها صدقوا وثبتت وقفيتها، وإن أخبر بعضهم فقط، فإن كان ظاهر يدهم ملكية العين تثبت الوقفية في حصته بالنسبة ولا تثبت في حصة الآخرين، وإن لم تكن يدهم كذلك ـ كما لو كانوا مستأجرين للعين، أو كانت عارية في أيديهم، أو غاصبين لها، أو غير ذلك ـ ثبتت الوقفية في تمام العين بإخبار بعضهم بها، إلا أن يكذبه الآخرون، فلا تثبت الوقفية في شيء منها حينئذٍ. وإن اتفقوا على الوقفية واختلفوا في كيفيتها لم تثبت إحدى الكيفيتين.

(مسألة 3): لا فرق في إخبار صاحب اليد بين أن يكون بالقول، وأن يكون بالكتابة ونحوها من طرق الإخبار. بل يكفي تصرفه في العين ومعاملته لها معاملة الوقف، أو معاملة وقف خاص، كمسجد أو حسينية أو وقف تشريكي أو ترتيبي أو غير ذلك من كيفيات الوقف. نعم لابد من ظهور حاله في التصرف في بنائه على ما يناسب تصرفه وجزمه به، أما لو احتمل صدور التصرف منه لمجرد الاحتياط تبعاً للاحتمال فلا يترتب عليه شيء.

(مسألة 4): إذا كانت هناك عين صالحة للوقفية قد كتب عليها أنها وقف واحتمل أنها صادقة وأن العين وقف، فالكتابة المذكورة..

تارة: لا تصدر عادةً إلا ممن يضع يده على العين، بحيث تكون العين حين الكتابة تحت يده وفي سيطرته، كما هو الظاهر في الأشياء الصغيرة كالإناء والكتاب ونحوهما، وكذا في الأشياء الكبيرة ـ كالدار والعقار ـ إذا كانت الكتابة محتاجة لعناية كالكتابة بالكاشي المثبتة في البناء ونحوها.

واُخرى: لا تكون الكتابة كذلك، كالكتابة على الدار من الخارج بالفحم.

ولا عبرة بالثانية، أما الاُولى فالظاهر أنها توجب الحكم بوقفية العين المذكورة. نعم إذا كانت العين بيد شخص وادّعى ملكيتها، واعتذر عن الكتابة بعذر مقبول صدق وحكم بملكيته، وترتبت أحكامها. وكذا إذا ادّعى أنه قد اشتراه لتحقق المبرر لبيع الوقف.

(مسألة 5): إذا وجدت ورقة بخط شخص تتضمن أن العين الفلانية وقف، وكانت العين المذكورة في ملكه أو تحت ولايته بحيث له وقفها، فإن ظهر من حال الكتابة أنها صادرة بداعي الإخبار بصدور الوقفية أو بداعي إنشائها ثبتت الوقفية بذلك، وإن لم يظهر ذلك فلا تثبت بها الوقفية، كما إذا احتمل صدورها لمجرد تعلم الإنشاء، أو لكتابة مسودة الوقفية لعرضها على بعض الناس واستشارتهم فيها، على أن يتم إنشاؤها بعد ذلك عند اتضاح رجحانها أو حصول بعض التعديلات عليها.

(مسألة 6): المتبع في تعيين نوع الوقف وكيفيته وخصوصياته ظاهر كلام الواقف المتحصل منه بعد ملاحظة القرائن العامة والخاصة المحيطة به، وقد تعرض فقهاؤنا رضي الله تعالى عنهم لمفاد جملة من العبارات، وقد أعرضنا عن ذلك لأن المعيار في مفاد العبارات المذكورة في كلامهم على ما ذكرنا، وهو أمر لا ينضبط، لعدم انضباط القرائن.

(مسألة 7): تثبت الوقفية بتصرف الناس في العين على أنها وقف لهم، يستحقون التصرف فيه جيلاً بعد جيل من دون مزاحم ومانع ومعارض، كما يثبت عموم الوقفية وخصوصها وجميع خصوصياتها بذلك أيضاً، فالأماكن العامة التي يتصرف الناس فيها على أنها وقف لهم من دون مزاحم يبنى على وقفيتها بما يناسب تصرفهم، ولا يحتاج إلى مثبت آخر من بينة أو إقرار أو غيرهما. ولا ترفع اليد عن ظاهر التصرف المذكور إلا بشواهد وقرائن تكشف عن عدم وقوعه في محله.

والحمد لله رب العالمين.

الفصل التاسع

في الحبس والسكنى والعمرى والرقبى

وهي تشترك مع الوقف في تحبيس العين من أجل استيفاء المنفعة تدريجاً، إلا أنها تخالفه في عدم ابتنائها على إخراج العين عن ملك مالكها، بل تبقى في ملكه فتكون موروثة لورثته، وليس لمن حبست له التصرف بها في مدة الحبس تصرف المالك بالبيع والشراء ونحوهما.

(مسألة 1): التحبيس عبارة عن التصدق بمنفعة العين وحدها وقصرها على شخص أو أشخاص محصورين، أو على جهة معينة عامة يصح الوقف عليها، كالفقراء والعلماء والحجاج والزوار وسبيل الله تعالى وخدمة المسجد وغيرها.

(مسألة 2): لابد في التحبيس من إنشاء مضمونه بما يدل عليه من قول أو فعل، على نحو ما تقدم في الوقف وغيره، كما إذا قال: حبست فرسي على زيد، أو في سبيل الله تعالى، أو دفع فرسه لزيد بنية تحبيسها عليه، أو نحو ذلك.

(مسألة 3): لابد في لزوم التحبيس من قصد القربة والقبض، على النهج المتقدم هناك. وفي اشتراط القبول فيه إشكال.

(مسألة 4): إذا حبس المالك ملكه مدة معينةً لزم في المدة المذكورة، وليس له الرجوع عنه قبل مضيها، وإذا مات قبل مضيها فليس لوارثه الرجوع فيه، فإذا مضت المدة عادت المنفعة له أو لوارثه.

(مسألة 5): إذا أطلق المالك التحبيس ولم يوقته بمدة معينة وكانت الجهة التي حبسه لها محدودة لا دوام لها ـ كشخص معين ـ لم ينفذ بعد موت الحابس، بل يرجع ميراثاً لورثته. والظاهر لزومه عليه في حياته، وليس له الرجوع فيه.

نعم له الرجوع متى شاء إن اقتصر على بذل ملكه للمنفعة الخاصة، كما لو أسكن شخصاً الدار أو أخدمه عبده أو استخدم سيارته أو دابته في نقل الحجاج أو الزوار، من دون أن ينشئ التحبيس ويلتزم به.

(مسألة 6): إذا أطلق المالك التحبيس ولم يوقته بمدة معينة ولم تكن الجهة التي حبسه لها محدودة، بل كان من شأنها الدوام ـ كالعلماء والفقراء وخدمة المسجد ـ فهل يبقى التحبيس مع إطلاقه نافذاً ما دامت العين باقية، ولا يظهر الفرق بينه وبين الوقف عملاً إذا سقطت العين عن الانتفاع المقصود، حيث تبقى صدقة في الوقف وتبقى ملكاً لمن حبسها في التحبيس، أو يبطل التحبيس بموت الحابس كما في الصورة السابقة؟ وجهان أقواهما الثاني. وكذا الحال إذا صرح الحابس بالدوام والتأبيد.

(مسألة 7): من أفراد الحبس السكنى وهي تختص بالمسكن، وتتضمن جعل حق السكن لشخص معين، وتجري فيها الأحكام المتقدمة.

(مسألة 8): إذا قيد الحبس ـ في المسكن وغيره ـ بمدة معينة ـ كعشر سنين مثلاً ـ قيل له أيضاً: رقبى، وإذا قيده بعمر الحابس أو عمر المحبس عليه قيل له: عمرى. ويختص الجميع بما إذا كان المحبس عليه شخصاً معيناً، أما إذا كان عنواناً عاماً فلا يطلق عليه إلا الحبس.

(مسألة 9): حيث سبق عدم خروج العين في الحبس وما ألحق به عن ملك المالك فللمالك بيع العين مسلوبة المنفعة من دون أن يبطل التحبيس أو ينافيه. أما المحبس عليه فليس له أن يبيع المنفعة، أو يصالح عليها أو على إسقاطها، لعدم وضوح كونه مالكاً لها، بل يشكل جواز المصالحة معه على أن لا ينتفع بالعين بنحو يكون للمصالح معه الانتفاع بها بدلاً عنه، لأن الظاهر أو المتيقن أن للمحبس عليه الانتفاع بالمباشرة، فمع عدم انتفاعه بنفسه تكون المنفعة تحت سلطان المالك المحبس تبعاً للعين التي هي ملكه.

المبحث الثاني

في بقية الصدقات مما لا يبتني على التحبيس

وهي على قسمين:

القسم الأول: ما يكون صدقة بنفسه من دون أن يضاف إلى متصدق عليه، ويكون تمليكه للمستحق أو بذله له أو تسليطه على الانتفاع به متأخراً رتبة وزماناً عن كونه صدقة بنفسه ومتفرعاً على ذلك، لا مقوماً ومقارناً له. ومنه الزكاة الواجبة التي جعلها الله تعالى في النصاب المملوك، وزكاة الفطرة التي جعلها في ذمة المكلف، فإنهما متعينان بأنفسهما، بل يمكن تعيينهما بالعزل خارجاً قبل أخذ المستحق لهما، ومنه الوقف إذا بطلت وقفيته كما تقدم.

(مسألة 1): الظاهر مشروعية التصدق بالنحو المذكور، فهو نحو من الإيقاع ويكفي فيه إخراج المالك المال عنه وتعيينه في جهة قربية، نظير الوقف، وليس الاختلاف بينهما إلا في ابتناء الوقف على تحبيس العين لاستيفاء النماء أو المنفعة، وعدم ابتناء التصدق المذكور على ذلك، بل على مجرد جعل العين صدقة مطلقة أو مقيدة بمصرف خاص من دون تحبيس أو تمليك، فيخرج المال بذلك عن ملك مالكه ويتعين للجهة التي عيّن لها، ولا يجوز للمالك الرجوع فيه بعد تعيينه.

(مسألة 2): من الصدقة المطلقة بالمعنى المذكور ما تعارف في عصورنا من عزل مقدار من المال بعنوان الخيرات التي تصلح للصرف في جميع وجوه البر.

(مسألة 3): من الصدقة المقيدة بالمعنى المذكور التبرعات للجهات الخيرية المختلفة، كالمناسبات الحسينية ونحوها مما ينسب للنبي (صلى الله عليه وآله) وآله (عليهم السلام) من إطعام أو مجالس أو مواكب عزاء أو أفراح، وكذا ما يخصص لسائر المناسبات الدينية، وكذا التبرع لصنف من المؤمنين ـ كالعلماء والسادة ـ أو لسد حاجة شخص معين، كبناء داره أو زواجه أو علاجه أو نحوها إذا ابتنى التبرع على تعيين المال للجهة المذكورة من دون تمليك للشخص حينه، وإلا دخل في القسم الثاني من الصدقة. هذا كله إذا ابتنى التبرع على قطع المالك علاقته بالمال وإخراجه عن ملكه، وإلا كان وعداً بالبذل عند الحاجة من دون أن يكون المال صدقة قبل الصرف.

(مسألة 4): من الصدقة المذكورة التبرع للصناديق الخيرية التي تعارف استحداثها في عصورنا إذا ابتنت على قطع المتبرع علاقته بالمال، أما لو بقي المال له وكان مبنى الصندوق على بذله للتصرف فيه بالإقراض أو المعاوضة أو نحوهما فهو خارج عن ذلك، وراجع إلى التوكيل في التصرف الخاص.

(مسألة 5): من الصدقة المذكورة التبرع للجمعيات أو الجهات العامة الخيرية كالمكتبات والمستشفيات والجامعات ونحوها، فإن الظاهر كون المال في جميع ذلك صدقة تتعين فيما عينت له.

(مسألة 6): لابد في لزوم التصدق المذكور من قبض المال الذي تصدق به من قبل من يتولى صرف الصدقة المذكورة أو جمعها، وإذا كان هو المتصدق نفسه كفى قبضه المال بما أنه متعين للجهة المتصدق لها وخارج عن ملكه.

(مسألة 7): إذا كانت الصدقة المذكورة مقيدة بمصرف خاص فتعذر أو ارتفع موضوعه صرف المال في مصارف الصدقات، والأحوط استحباباً حينئذٍ تحري الأقرب فالأقرب للمصرف الخاص المقيد به التصدق. وكذا الحال لو كان التعذر وارتفاع الموضوع من أول الأمر قبل التصدق.

(مسألة 8): إذا جعل المتصدق الصدقة لله تعالى، من دون نظر لمصرف خاص فالأحوط وجوباً صرف المال في الفقراء والمساكين وابن السبيل.

القسم الثاني: ما يكون صدقة بإضافته لمتصدق عليه وجعله له، نظير الهبة. وهي بالمعنى المذكور واجبة في موارد كثيرة، كما في الكفارات وفدية الصيام وغيرهما مما يذكر في أبواب الفقه المتفرقة، أما في غير ذلك فهي من المستحبات المؤكدة، وقد تواتر الترغيب فيها والحث عليها في الكتاب المجيد وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة من آله (عليهم السلام)، وقد ورد أنها جُنة من النار، وأن من ختم له بها دخل الجنة، وأنها تفك من بين لحى سبعين شيطاناً ـ بل سبعمائة ـ كلهم يأمر الإنسان أن لا يفعل، وأنها تقع في يد الله تعالى قبل أن تقع في يد العبد، كما قال عز من قائل: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) ولعل المراد بذلك أن الله تعالى يحفظها للمتصدق في خزائن رحمته مباشرة، من دون أن يتوسط في إيصالها ملك يرفعها.

كما ورد أنها دواء المريض، وبها تدفع ميتة السوء، والداء والدبيلة ـ وهي الطاعون وخراج ودمّل يظهر في الجوف ويقتل صاحبه غالباً ـ والحرق والغرق والهدم والجنون... إلى أن عد سبعين باباً من السوء، وأن بها يؤخر الأجل، ويقضى الدين، وهي تزيد في المال، وتخلف البركة... إلى غير ذلك مما ورد فيها وفي الحث عليها.

(مسألة 9): يستحب افتتاح اليوم بالصدقة، ليدفع بها شره ونحسه، وافتتاح الليل بها، ليدفع شره ونحسه، وفي الحديث: «أن صدقة الليل تطفئ غضب الرب، وتمحو الذنب العظيم وتهون الحساب، وصدقة النهار تثمر المال وتزيد في العمر». وأفضلها صدقة السر، فقد ورد أنها تطفئ غضب الرب، وصاحبها أحد السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

(مسألة 10): الظاهر صحة الصدقة المذكورة من الصبي في ماله إذا بلغ عشر سنين ووضعها في موضعها، ولا يشترط فيها إذن الولي، وذلك من جملة المستثنيات من الحجر على الصبي.

(مسألة 11): الصدقة بحسب الأصل من سنخ الهبة مشروطة بالقربة، فهي من العقود تفتقر إلى الإيجاب والقبول، وتقع بكل ما يدل على إنشاء ذلك والالتزام به من قول أو فعل، نظير ما تقدم في جميع العقود، كما أنها مشروطة بالقبض كالهبة. ويلحق بها كل إحسان مالي كإبراء المديون من دينه وإعارة المتاع وبذله لمن يطلبه، وكذا بذل الطعام والشراب ونحوهما وإن لم يكن بنحو التمليك. ولا يلزم فيها حينئذٍ أن تكون عقداً، بل قد تكون إيقاعاً، ولا يجري عليها حكم الهبة، بل يلحق بالصدقة كل إحسان وإن لم يكن مالياً، فقد ورد أن كل معروف صدقة، وأن تنحيه الأذى عن الطريق صدقة، وأن صنائع المعروف تدفع ميتة السوء ومصارع الهوان.

(مسألة 12): يعتبر في الصدقة قصد القربة، بمعنى عدم ترتب أثر خصوصية الصدقة بدونه، وإن ترتب عليها أثر الهبة حينئذٍ. نعم ليس كل هبة بقصد القربة صدقة، بل الصدقة هبة خاصة يعرفها المتشرعة بمرتكزاتهم.

(مسألة 13): تحل صدقة الهاشمي على الهاشمي، مستحبة كانت أو واجبة، حتى الزكاة المفروضة. ولا تحل زكاة غير الهاشمي على الهاشمي على ما تقدم في كتاب الزكاة، وتحل غيرها من أنواع الصدقة من غير الهاشمي على الهاشمي، واجبة كانت ـ كالكفارات وفدية الصيام ـ أو مستحبة. نعم ما يتعارف من دفع المال القليل لدفع البلاء ونحوه، مما كان فيه نحو من الذل والهوان على الآخذ ففي جوازه إشكال، والأولى دفعه بعنوان الهبة والهدية وإن كانت قربية، تجنباً لحرمانه وهوانه.

(مسألة 14): لا يجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض وإن كانت لأجنبي، حتى قبل التصرف المغير للعين، وبذلك تمتاز عن الهبة.

(مسألة 15): لا تجوز الصدقة التي هي من سنخ الهبة على الغني، وإن دفعت له بعنوان كونها صدقة لم يملكها، ولم تبرأ بها ذمة الدافع إذا كانت واجبة. نعم يستحب التصدق على مجهول الحال إذا سأل، احتياطاً لاحتمال حاجته، وإن لم يحل له المال إن كان غنياً.

(مسألة 16): لا تجوز الصدقة على الناصب، وتجوز على غيره من المخالفين والكفار عند ضرورتهم كسد جوعه وري عطشه، كما تجوز الصدقة على مجهول الحال، ولا سيما من وقعت له الرحمة في القلب، وعلى المستضعفين والضعفاء من الشيوخ والنساء والصبيان. والأولى الاقتصار في الصدقة عليهم على القليل.

(مسألة 17): من تصدق بصدقة على شخص وأوصلها له فلم يقبلها وردها لم يحل للمتصدق أكلها وإرجاعها في ماله، بل عليه أن ينفقها في وجوه البر، وتكون من القسم الأول من الصدقة.

نعم حيث تقدم هناك توقف لزوم الصدقة على قبضها فيكفي في القبض هنا قبض الرسول الذي كلف بإيصالها، كما يكفي قبض من تصدق عليه بها فلم يقبلها وردها.

(مسألة 18): التوسعة على العيال من غير سرف أفضل من الصدقة على غيرهم، بل يكره لصاحب المال إنفاقه في وجوه البر والمعروف بحيث يبقى هو وعياله من غير شيء، وفي بعض الروايات أنه حينئذٍ ممن لا يستجاب له لو دعا بالرزق.

(مسألة 19): الصدقة على الرحم أفضل من الصدقة على غيره. بل في بعض الروايات: لا يقبل الله الصدقة وذو رحم محتاج. وأفضلها الصدقة على الرحم الكاشح، وهو الذي يضمر لك العداوة، أو الذي يعرض عنك لعداوته، ولعل الثاني أقرب.

(مسألة 20): يستحب التوسط في إيصال الصدقة للمسكين، ففي الخبر: «لو جرى المعروف على ثمانين كفاً لأجروا كلهم من غير أن ينقص صاحبه من أجره شيئاً».

(مسألة 21): تكره المسألة مع الحاجة. ويظهر من جملة من النصوص حرمة السؤال مع عدم الحاجة. بل يظهر من بعضها أنه ليس المراد بالحاجة هو الفقر الشرعي، بل الحاجة العرفية القريبة ففي الحديث: «من سأل الناس وعنده قوت ثلاثة أيام لقي الله يوم يلقاه وليس على وجهه لحم».

والحمد لله رب العالمين.