الفصل الثاني

في شروط المتبايعين

يعتبر في المتبايعين اُمور..

الأول: البلوغ بأحد الاُمور المتقدمة في أول مباحث الاجتهاد والتقليد، فلا يصح بيع الصبي وشراءه لنفسه وإن كان مميزاً يفهم معنى البيع والشراء، ويدرك موارد النفع والضرر الماليين. بل لابد في ذلك من إذن الولي، ويأتي في كتاب الحجر بعض الفروع المتعلقة بذلك إن شاء الله تعالى.

الثاني: العقل فلا يصح عقد المجنون. ويأتي في كتاب الحجر بعض الفروع المتعلقة بذلك إن شاء الله تعالى.

الثالث: الاختيار، فلا يصح بيع المكره وشراؤه، وهو الذي يأمره غيره بالبيع أو الشراء المكروه له على نحو يخاف من ترتب الضرر بمخالفته. نعم إذا كان الإكراه بحق لم يمنع من صحة البيع.

(مسألة 1): المراد من الضرر الذي يتوقف صدق الإكراه معه ما يعم الضرر الواقع على نفسه وماله وشأنه وبعض من يتعلق به ممن يهمه أمره كولده وأبويه وإخوته، بل الظاهر أنه يعم من يجب عليه دفع الضرر المعتد به عنه شرعاً، كما لو هدده بقتل مؤمن لا يعرفه، بل يعم من يحسن منه شرعاً دفع الضرر عنه، كما لو هدده بنهب مال مؤمن لا يعرفه.

(مسألة 2): لو قدر على دفع ضرر المكره بالاستعانة بالغير من دون محذور والتفت لذلك، ولكنه لم يفعل وأوقع البيع فالظاهر عدم صدق الإكراه، وصحة البيع حينئذٍ. وكذا إذا قدر على إيهام المكره أنه فعل ما أكرهه عليه والتفت لذلك ولم يفعل، بل أوقع البيع. ومنه إذا قدر على التورية ـ كما لو قصد بقوله: (بعت) الإخبار دون الإنشاء ـ والتفت إليها، ولم يخش ظهور الحال والوقوع في الضرر، فإنه إذا لم يورِّ حينئذٍ وباع قاصداً البيع صح لعدم صدق الإكراه.

(مسألة 3): إذا أمره الغير بالبيع وخاف من ترتب الضرر بمخالفته، لكنه باع برضاه من دون أن يستند البيع لأمر الغير صح البيع. وكذا إذا استند في بيعه لأمر الغير دفعاً للضرر المترتب على مخالفته، لكنه التفت إلى أنه لا يصح شرعاً فأوقع البيع راضياً به دفعاً للمشاكل الشرعية المترتبة على بطلان المعاملة.

(مسألة 4): إذا أكره على بعض الخصوصيات في البيع ـ كالثمن والزمان والمكان ـ من دون أن يكره على أصل البيع، بل كان له تركه، فباع بالخصوصية التي أكره عليها صح البيع. كما لو حدد له الثمن من دون أن يلزم بالبيع به، بل كان له ترك البيع رأساً، فإنه لو اختار البيع بالثمن المحدد صح البيع.

(مسألة 5): الإكراه إنما يبطل البيع إذا وقع على من له البيع أو على وليه أو وكيله مع عدم رضا الموكل بالبيع، أما إذا وقع على الوكيل مع رضا الموكل بالبيع فالبيع صحيح. وكذا إذا أكره صاحب المال أو وليه أو وكيله شخصاً في أن يبيع عنه فباع، فإن البيع يصح حينئذٍ، ولا يبطله الإكراه.

(مسألة 6): يصح بيع المكره بالإجازة اللاحقة منه أو من وكيله أو وليه.

(مسألة 7): لما كان البيع مع إكراه أحد الطرفين فاسداً فكما يبقى المكره مالكاً لما يؤخذ منه من ثمن أو مثمن يبقى الطرف الآخر مالكاً لما يدفعه للمكره، وحينئذٍ إن كان الطرف الآخر عالماً بالإكراه وبفساد العقد، وتعمد أخذ ما أخذ غصباً كان للمكره تملك ما أخذه منه من باب المقاصة، فإن كان ما أخذه مساوياً لما أخذه الطرف الآخر في القيمة فقد استكمل حقه ولا شيء عليه، وإن كان ما أخذه أقل قيمة بقي له عند الطرف الآخر فرق ما بينهما، وإن كان ما أخذه أكثر قيمة استحق مقدار ما أخذ منه بالمقاصة، وبقي الزائد ملكاً لصاحبه، لكن لا يضمنه الآخذ لو تلف لعدم تعديه في أخذه. وبوسع المكره تملك تمام الثمن بتصحيح البيع بإجازته له لاحقاً، كما تقدم في المسألة السابقة.

وإن كان الطرف الآخر جاهلاً بالإكراه، أو بفساد البيع بقي ما دفعه للمكره في ملكه ولم يكن للمكره تملكه من باب المقاصة، بل يجب عليه إرجاعه لصاحبه ومراجعته فيه. ومع تعذر مراجعته ـ لعدم معرفته أو لانقطاع خبره أو لغير ذلك ـ فاللازم مراجعة الحاكم الشرعي فيه، لأنه ولي الغائب، وبوسع المكره حينئذٍ تجنب ذلك بتصحيح البيع بإجازته اللاحقة، كما تقدم.

(مسألة 8): إذا اضطر للبيع من غير جهة الإكراه لم يبطل البيع، كما لو اضطر لبيع داره لمعالجة مريضه أو تحصيل قوت عياله. وكذا لو كان من جهة الإكراه على أمر غير البيع، كما لو أكرهه الجائر على دفع مال، ولم يمكنه دفعه إلا ببيع داره.

(مسألة 9): يجوز الشراء ممن يقبل بالثمن القليل لاضطراره للبيع. وكذا البيع ممن يقبل بالثمن الكثير لاضطراره للشراء. نعم يكره استغلال اضطراره بحيث يكون تقليل الثمن في الأول وزيادته في الثاني لأجل اضطراره، أما إذا كان بداع آخر، كعدم الرغبة في الشراء أو البيع فلا كراهة. وكذا إذا كان الاضطرار للبيع أو الشراء موجبين لهبوط السعر السوقي أو ارتفاعه.

الرابع: السلطنة على التصرف في المبيع أو الثمن، لكونه مملوكاً له أو في ذمته ـ من دون أن يكون محجوراً عليه ـ أو لكونه وكيلاً على المال أو مأذوناً في التصرف فيه ممن له التوكيل والإذن أو لكونه ولياً عليه. فلو لم يكن كذلك لم ينفذ البيع، كما لو باع الأجنبي أو المالك المحجور عليه لصغر أو سفه أو غيرهما. وهو المسمى عندهم ببيع الفضولي وشرائه.

(مسألة 10): لا يكفي في خروج البيع أو الشراء عن كونه فضولياً العلم برضا من له السلطنة عليه به، بحيث لو التفت إليه لأذن فيه، بل لابد من إعمال سلطنته فيه، بإذنه في البيع أو توكيله على إيقاعه، ولو كان مستفاداً من شاهد الحال كما لو رأى صاحب المحل ولده يبيع له ويشتري وتكرر ذلك منه ولم ينكر عليه مع قدرته على الإنكار، حيث يظهر منه إذنه له في القيام مقامه في إدارة المحل.

(مسألة 11): بيع الفضولي وشراؤه ـ وإن كان موقوفاً غير نافذ ـ إلا أنه لا يبطل رأساً بحيث لا يبطل التنفيذ والتصحيح، بل ينفذ بإجازة من له السلطنة، من مالك أو وكيل أو ولي أو غيرهم.

(مسألة 12): لابد في تصحيح عقد الفضولي بالإجازة من بقاء الطرف الآخر على التزامه بالبيع إلى حين الإجازة، فلو أعرض عنه لم تنفع الإجازة في تصحيحه، فإذا باع الفضولي دار زيد على عمرو فأعرض عمرو عن البيع قبل إجازة زيد للبيع لم تنفع إجازة زيد بعد إعراض عمرو في صحة البيع.

(مسألة 13): يكفي في الإجازة كل ما يصلح لبيان إمضاء من له السلطنة للعقد من قول أو فعل، كقبض الثمن، وتسليم المبيع، وغيرهما. بل يكفي سكوته عنه وعدم رده بعد علمه به إذا كان كاشفاً عن إقراره وتنفيذه له. أما مجرد الرضا الباطني بالعقد، مع عدم المبرز لإقرار العقد والرضا به فلا يكفي في إجازة العقد ونفوذه.