الفصل السادس
في الدفن
يجب دفن المؤمن بمواراته في الأرض بنحو يؤمن على جسده من السباع ونحوها، ويمنع من ظهور رائحته. ولا يكفي وضعه في تابوت محكم أو بناء إذا لم يكن في بطن الأرض.
(مسألة 325): يجب وضع الميت في قبره معترضاً كما تقدم في حال الصلاة عليه، إلا أنه يكون مضطجعاً على جانبه الأيمن موجهاً وجهه إلى القبلة. وإذا تعذر العلم بالقبلة عمل بالظن، ومع عدمه يسقط وجوب الاستقبال.
(مسألة 327): من مات في البحر إن أمكن تجهيزه والانتظار به حتى يدفن في البر وجب، وإن تعذر ـ للزوم هتكه بظهور رائحته وتفسخه أو لإضرار من معه من الأحياء أو لغير ذلك ـ وجب تغسيله وتحنيطه والصلاة عليه، ثم إن أمكن حفظ جسده بوضعه في خابية كبيرة تسعه من دون أن يلزم تكسيره والاعتداء على جسده وجب حفظه بجعله في الخابية، ثم يسد رأسها بإحكام وتلقى في البحر. وإن تعذر ذلك وجب تثقيله ليرسب في الماء ثم يلقى فيه.
ويجري الحكم المذكور في من يموت في البر أو تعذر دفنه فيه أو خيف من الاعتداء عليه بعد الدفن بنبشه وهتك حرمته، فيلقى في النهر أو البحر كذلك.
(مسألة 328): يحرم دفن المؤمن في مكان يوجب هتك حرمته كالمزبلة والبالوعة، كما يحرم الدفن في المكان الموقوف لجهة خاصة لا تعم الدفن، وكذا في المكان المملوك بغير إذن مالكه، أو في المكان الذي تعلق به حق لشخص من دون إذنه.
(مسألة 329): يحرم دفن ميت في قبر ميت آخر حتى لو اتفق نبش ذلك القبر وفتح موضع الميت الأول، إلا في صورتين:
الاُولى: أن يبتني دفن الميت الأول على عدم اختصاصه بالقبر، بل على مجرد جعله فيه مع كونه في معرض دفن غيره معه.
الثانية: أن يخرج الميت الأول من القبر وينقل عنه، أو يتلاشى فيه ويصير تراباً، بحيث يخرج المكان عن كونه قبراً له. نعم يحرم فتح القبر ودفن ميت آخر فيه لو كان للميت الأول كرامة دينية بحيث يكون قبره رمزاً من رموز الدين وشعائره حتى بعد الاندراس أو بعد نقله منه ويكون فتحه ودفن شخص آخر فيه هتكاً له وتوهيناً للدين.
(مسألة 330): ورد في بعض النصوص النهي عن نقل الميت من بلد موته. ويحسن متابعتها وإن لم تكن حجة، لكنه غير واجب، بل يجوز النقل بلا إشكال كما جرت عليه سيرة المسلمين والمؤمنين من الصدر الأول. بل يحسن النقل للبقاع الشريفة، كحرم مكة ومشاهد المعصومين (عليهم السلام) وخصوصاً الغري والحائر الحسيني، فقد تضمنت الأخبار أن من دفن في الحرم أمن من الفزع الأكبر، وأن الدفن في الغري بل في جميع مشاهد المعصومين (عليهم السلام) مسقط لسؤال منكر ونكير.
(مسألة 331): يحرم نبش قبر الميت على نحو يظهر جسده إذا كان فيه هتك له بظهور رائحته وتغير صورته، بل الأحوط وجوباً عدم نبشه بعد الدفن مطلقاً.
نعم يجوز النبش في موارد:
الأول: ما إذا دفن بلا غسل أو بلا تكفين أو مع وقوعهما على غير الوجه الشرعي، فيجوز نبشه لذلك إذا كان دفنه قريباً بحيث لا يلزم من النبش هتك الميت بظهور رائحته وتغير صورته، أما مع لزوم ذلك فيحرم النبش، ويسقط التغسيل والتكفين. كما أنه لو طال العهد وجف الميت بحيث لا يلزم هتكه لم يجب النبش لتدارك التغسيل والتكفين.
الثاني: ما إذا كان النبش لمصلحة الميت، كالنقل للبقاع الشريفة أو لمقبرة عائلته إذا كان ذلك تعزيزاً له أو سبباً لذكره بما ينفعه من قراءة القرآن أو الاستغفار أو نحو ذلك. واللازم تجنب هتكه بانتظار جفافه والتكتم به مهما أمكن. بل قد يجب النقل، كما إذا دفن في مكان يستلزم هتكه كالمزابل ونحوها. وإذا لزم منه ظهور رائحته أو نحو ذلك مما يوجب هتكه لزم اختيار أقل المحذورين.
الثالث: ما إذا كان في النبش دفع عدوان محرّم، كما إذا دفن في ملك الغير بغير إذنه أو دفن معه مال للغير أو نحو ذلك، ويراعى في ذلك عدم هتكه بظهور رائحته ونحوه مهما أمكن، وإذا أصر ذو الحق على التعجيل فالأحوط وجوباً الترجيح بالأهمية.
الرابع: ما إذا توقف على النبش مصلحة مهمة أو دفع مفسدة كذلك، ويراعى في ذلك عدم هتكه بظهور رائحته ونحوه مهما أمكن. واللازم في الموردين الأولين استئذان الولي على النحو المتقدم في المسألة (258) في فصل مقدمات الموت ولواحقه وهو الأحوط وجوباً في الموردين الأخيرين، ومع فقد من هو الولي حين موت الميت فالأحوط الانتقال لمن هو الأقرب للميت بعده.
(مسألة 332): يستحب أن يجعل الميت في موضع متسع من قبره بقدر ما يمكن فيه الجلوس، والأفضل أن يكون بشق لحد له في جانب القبر، فإن تعذر لرخاوة الأرض أو خيف انهدامه شُق له في الأرض شقاً وسقف عليه ببناء ونحوه. كما يستحب أن يكشف عن وجهه ويجعل خده على الأرض، وأن يجعل معه في القبر شيء من تربة الحسين (عليه السلام)، والأولى أن يجعل أمام وجهه لبنة منها. وقد وردت أذكار كثيرة عند تناول الميت وإنزاله في القبر وبعد وضعه في القبر وعند سد القبر باللبن وبعد ذلك ولا يسع المقام ذكرها، وإن كان المناسب الاهتمام بها والمحافظة عليها، فلتطلب من المطولات.
وينبغي الاهتمام بتلقينه وهو في القبر قبل إكمال الدفن بالشهادتين والعقائد الحقة وإمامة الأئمة (عليهم السلام) واحداً بعد واحد. وكذا تلقينه بذلك من قبل أولى الناس به بعد إكمال الدفن عند انصراف المشيعين رافعاً به صوته. كما يستحب تربيع القبر، ورشه بالماء. والأفضل أن يستقبل من يفعل ذلك القبلة ويبدأ من عند الرأس إلى الرجلين ثم يدور إلى الجانب الآخر، فإن فضل منه شيء فالأولى صبه في وسطه. وفي بعض النصوص أنه يتجافى عنه العذاب ما دام الندى في التراب، كما يظهر من بعضها استحباب تكرار الصب في كل يوم إلى أربعين يوماً أو أربعين شهراً، كما يستحب أن يضع الحاضرون أيديهم على القبر عند رأسه مع تفريج الأصابع وغمزها فيه بعد رشه. وأن يستغفروا له ويدعو له بمثل: «اللهم جاف الأرض عن جنبيه وأصعد إليك روحه ولقّه منك رضواناً وأسكن قبره من رحمتك ما تغنيه عن رحمة من سواك».. إلى غير ذلك.
(مسألة 333): يكره تعميق القبر أكثر من ثلاثة أذرع ـ وهي تقارب المتر والنصف ـ كما يكره نزول الأب في قبر ولده، ونزول غير المحرم في قبر المرأة، وإهالة الرحم عليه التراب.. إلى غير ذلك مما ذكر في المطولات.
تتميم
فيه مسائل:
الاُولى: إذا مات الحمل دون أمه، فإن أمكن إخراجه صحيحاً وجب، وإلا جاز تقطيعه مقتصراً من ذلك على ما تقتضيه الضرورة، ولو خيف على الأم من الاحتياط في ذلك كان الاحتياط لها مقدماً على الاحتياط له. وإن ماتت هي دونه واحتمل حفظ حياته بإخراجه وجب ولو بشق بطنها. لكنه يخاط بعد ذلك.
الثانية: يجب إجراء تمام أفعال التجهيز على أجزاء الميت في موارد:
الأول: العظام المجردة عن اللحم، ولا يخل نقص عظم أو عظمين مما يتعارف في من أكله السبع ونحوه.
الثاني: البدن التام، وإن فقدت منه بعض أطرافه ـ من الرأس واليدين والرجلين ـ أو جميعها.
الثالث: النصف الذي فيه القلب ـ عرضياً كان أو طولياً ـ إذا كان واجداً للأطراف المناسبة له، فالعرضي أطرافه الرأس واليدان، والطولي أطرافه نصف الرأس ويد ورجل واحدة. والأحوط وجوباً إجراء الأفعال المذكورة على النصف الذي فيه القلب وإن فقد الأطراف أو فقد بعضها.
وأما في غير الموارد المذكورة فلا إشكال في وجوب دفنه، لكن الأحوط وجوباً فيما اشتمل منه على عظم أن يغسل ويلفّ في خرقة قبل الدفن. لكنه لا يطهر بالتغسيل. والأحوط استحباباً فيما لا يشتمل على عظم أن يلف في خرقة لا غير.
الثالثة: لا تشرع الصلاة على السقط. لكن إذا كملت خلقته ونمت أعضاؤه غُسّل وحُنّط وكفن ودُفن. وهو الأحوط وجوباً فيما إذا تم له أربعة أشهر ولم تتم خلقته لو أمكن ذلك. وأما إذا لم يكن مكتمل الخلقة ولم تتم له أربعة أشهر فالواجب دفنه، والأحوط وجوباً أن يكون بعد لفّه بخرقة ولا يجب تغسيله ولا تحنيطه.
الرابعة: إذا قطع من الحي قطعة لم يجب إجراء أحكام الميت عليها حتى لو كان فيها عظم. نعم قد يحسن دفنها.