تمهيد
قد تميزت الطائفة الإمامية الاثنى عشرية ـ أعز الله دعوتها وأعلى كلمتها ـ بفتح باب الاجتهاد على مر العصور وتعاقب الدهور، وعلى ذلك جرى علماؤها الأبرار، وهم لا يريدون بالاجتهاد التوسع على حساب الحكم الشرعي بما يلائم مستجدات العصر وتطور الزمن، أو إرضاءً لعامة الناس، أو للحكام والمتسلطين وغيرهم من أهل النفوذ أو لغير ذلك.
بل الاجتهاد عندهم هو بذل الجهد لمعرفة الحكم الشرعي من منابعه الأصيلة، والحفاظ عليه كأمانة يسأل الله تعالى المجتهد عنها عند ما يقف بين يديه يوم العرض الأكبر، (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً)، (والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير).
كما تميزت هذه الطائفة بالتقليد، الذي هو عبارة عن رجوع عامة الناس الذين لا معرفة لهم بالأحكام الشرعية في أعمالهم ـ من عبادات ومعاملات وغيرها ـ للمجتهد المأمون على الحكم الشرعي، الذي لا يفرط فيه تسامحاً في البحث والفحص، أو تبعاً لسلطان، أو إرضاءً لعامة الناس، أو حباً للظهور في ابتداع الجديد، أو في التخفيف والتسهيل، أو لغير ذلك من المكاسب والأغراض المادية والمعنوية. كل ذلك خوفاً من الله تعالى، وفرقاً من عظيم عقابه وشديد نكاله.
ولذا تراهم يكنّون لعلمائهم عامة ولمن يقلدونه خاصة من الاحترام والتقديس والتعظيم والتبجيل الشيء الكثير.
وحق لهذه الطائفة أن ترفع رأسها فخراً واعتزازاً بمحافظتها على أحكام الله تعالى، واهتمامها بأخذها من منابع التشريع الأصيلة، وصمودها في ذلك متحدية أعاصير الزمن، وظلمات الفتن، على طول المدة وشدة المحنة.
كل ذلك بفضل علمائها المخلصين الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم، وأتباعهم المؤمنين الذين لا يأخذون دينهم إلا ممن هو أهل للأمانة في دينه وورعه وقدسيته، رافضين غيرهم ممن لا يتحلى بالأمانة والورع، ولا يبالي في أي وادٍ سلك، قد تورط في الشبهة، ووضع نفسه في مواضع التهمة.
وأمام أعينهم في ذلك تعاليم أئمة الهدى من أهل البيت (صلوات الله عليهم) المطابقة لحكم العقل السليم، وللكتاب المجيد وسنة النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد ورد عنهم (عليهم السلام) في ذلك الشيء الكثير، وفي الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه بعد أن ذم اليهود بتقليدهم لعلمائهم، وشدد عليهم، قال: «وكذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقاً، وبالترفرف بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقاً، فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم، فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم. فأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئاً ولا كرامة...».
فعلى المؤمنين سددهم الله تعالى ـ العلماء منهم والأتباع ـ أن يعرفوا عظيم المسؤولية الملقاة على عواتقهم، وثقل الأمانة التي حملها الله تعالى إياهم. وليكن الهمّ الأول والأخير للعالم هو معرفة الحقيقة والحفاظ عليها والوصول للحكم الشرعي من منابعه الأصيلة وبيانه، أداءً للوظيفة الشرعية، من دون اهتمام بكثرة الأتباع والأنصار، ولا بالبهرجة وحب الظهور، ولا بغير ذلك من مغريات الدنيا الزائلة ودواعي الشيطان المهلكة، وأمام عينيه قوله تعالى: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين).
كما ليكن همّ الأتباع الخروج عن تبعة الأحكام الشرعية بأخذها من العلماء العاملين من أهل الورع والتقوى والنزاهة والإخلاص والاستقامة، وممن لا تنالهم الطعون ولا تلوكهم الألسن، لبعدهم عن الشبهات وعن مواقع التهم، مع كمال التثبت والتروي، ليكونوا بذلك على بصيرة من الخروج عن المسئولية وقيام العذر لهم بين يدي الله تعالى يوم يعرضون عليه لا يخفى عليه منهم خافية، ولا يكون إتباعهم الشخص مبنياً على التسرع والانخداع ببهرجة الأقوال، أو لموافقته لأهوائهم ورغباتهم، فإن الرقيب في جميع ذلك هو الله تعالى المطلع على السرائر والعالم بالخفايا والضمائر ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وقد يقف الناس حيارى ـ لملابسات خاصة وظروف طارئة ـ أمام كثرة الدعاوى وتعدد الاتجاهات إلا أن ذلك لا ينبغي أن يجرّ للتفريط في الوظيفة والتقصير في أداء الواجب، إذ مهما التبست الاُمور وشبهت الفتن فإن الله جلت آلاؤه لا يضيع حجته، ولا يخفي معالم دينه ـ بفضله ورحمته إن شاء الله ـ على من حاول البحث عنها وجهد في الوصول إليها (والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين).
ونرجوا بذلك أن نكون قد قمنا ببعض الواجب في النصح لإخواننا المؤمنين، وتذكيرهم بواجبهم (فإن الذكرى تنفع المؤمنين)، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين