| الفهرست التفصيلي |
استهلّ أبي جلسة حوارية الوصية بالحديث الشريف التالي:
قال الإمام أبو جعفر (عليه السلام): الوصية حق، وقد أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فينبغي للمسلم أن يوصي).
ـ ولكن بعض الناس ـ يا أبي ـ لا يوصون معتبرين أن الوصية تعني قرب حلول الموت، فيتشاءمون منها.
ـ الوصية مستحبة، ويقال: إنها على العكس من ذلك تطيل العمر، ثم إن ترك الوصية مكروه وغير حسن.
ـ وبعد ذلك كله (الموت حق) أليس كذلك؟
ـ نعم الموت حق، قال تعالى في كتابه الكريم: (كل نفس ذائقة الموت) أسمعها كثيراً تتردد على شفاه الناس وأقرؤها على المقابر في الطريق، نعم الموت حق.
ـ إذا كان كذلك فلماذا التهرب من حقيقة واقعة لا محالة؟
ـ أليس من الأجدر بنا أن نكون واقعيين، أو قل عمليين فنستعد لما هو آت لا مناص منه ولا مهرب عنه طال بنا العمر أو قصر فيكون مصدر العظة والاعتبار.
ـ ولكني لا أعرف كيف يوصي الإنسان؟
ـ يستحب لك أن تبدأ بالوصية التي علّمها رسول الله (صلى الله عليه وآله) للإمام علي (عليه السلام) وللمسلمين.
ـ وما هي؟
ـ نهض أبي لمكتبته وعاد ومعه كتاب عزيز عليه يسميه (الوسائل) فقرأ عليّ منه نفس الوصية التي علّمها رسول الله (صلى الله عليه وآله) للإمام علي (عليه السلام) وللمسلمين وأنا أكتب ما يقرأ. وها أنذا أنقل إليكم ما قرأ وكتبته..
(اللهمّ فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، اللهمّ إني أعهد إليك في دار الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، والحساب حق، والقدر والميزان حق، وأن الدين كما وصفت، وأن الإسلام كما شرعت، وأن القول كما حدثت، وأن القرآن كما أنزلت، وأنك أنت الله الحق المبين، جزى الله محمداً خير الجزاء وحيّا محمداً وآل محمد بالسلام.
اللهم يا عدتي عند كربتي وصاحبي عند شدتي ويا وليَّ نعمتي، إلهي وإله آبائي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً فإنك إن تكلني إلى نفسي أقرب من الشر وأبعد من الخير، فآنس في القبر وحشتي واجعل لي عهداً يوم ألقاك منشوراً).
ثم يوصي الإنسان بحاجته، أي حاجة يشاء.
ـ وبماذا يوصي؟
ـ يوصي بالمحافظة على أولاده الصغار وعائلته مثلاً، يوصي بصلة الرحم مثلاً، يوصي بتسديد ديونه وأداء أماناته، يوصي بقضاء ما فاته من صلاة وصيام وحج، يوصي بدفع خمس أموال لم يخمّسها سابقاً أو زكاة استحقت عليه ولم يخرجها، يوصي بإطعام الفقراء نيابة عنه، يوصي بالقيام بأعمال خاصة له بعده، يوصي بالتصدق نيابة عنه، يوصي... يوصي بما يشاء.
قال أبي ذلك وأردف:
ويشترط في من يوصي: البلوغ والعقل والاختيار. فلا تصح وصية الإنسان المكرَه، ولا الصبي إلا إذا أدرك وبلغ عشر سنين وكانت وصيته في وجوه الخير [كما تصح وصية ابن سبع سنين في اليسير من الخير والمعروف]، ويشترط أن لا يكون الموصي قاتل نفسه ممن جرح نفسه أو تناول سماً منتحراً عاصياً عامداً، ثم أوصى بأمواله ومات بسبب ذلك، لم تنفذ وصيته تلك بأمواله [بل حتى بغير أمواله كالولاية على أطفاله].
وأضاف أبي: يسمّى الشخص الذي يختاره صاحب الوصية لتنفيذ وصيته (بالوصي). وليس للوصي أن يفوض أمر الوصية إلى غيره. نعم له أن يوكل من يثق به للقيام بشأن ما من شؤون الوصية إذا لم يكن غرض صاحب الوصية مباشرة الوصي ذلك الأمر بنفسه.
ـ وهل يشترط في الوصية أن تكون مكتوبة؟
ـ لا، يمكن للإنسان أن يوصي باللفظ أو حتى بالإشارة المفهمة لما يريد، كما يكفي وجود كتابة بخطه أو إمضائه يظهر منها إرادة العمل بها بعد موته.
ـ وهل يكتب الإنسان وصيته حال المرض فقط؟
ـ لا، في الحالين معاً حال المرض وحال تمتعه بالصحة والعافية والسلامة.
ـ ويوصي بما يريد؟
ـ نعم، شرط أن لا يكون في معصية كمعونة الظالم وغيرها.
ـ وبالمبالغ أو المخلّفات التي يملكها؟
ـ يحق للإنسان أن يوصي بما لا يزيد على ثلث ما تركه فقط من أموال أو غيرها.
ـ وإذا أوصى بما زاد على ثلثه؟
ـ بطلت وصيته في ما زاد على الثلث إلا إذا أجاز ذلك الورثة فتصح آنذاك.
ـ وإذا أريد تنفيذ الوصية.
ـ تستثنى أولاً ـ قبل تنفيذ الوصية ـ من مجموع ما خلّفه الموصي الحقوق المالية التي بذمته كالمال الذي استدانه وثمن الحاجيات التي اشتراها ولم يسدد ثمنها، وغيرها، بما في ذلك الزكاة الواجبة التي بذمته، والحج الواجب بالاستطاعة سواء أوصى بذلك أم لم يوص.
وأما الخمس فلا يجب دفع الخمس عنه من ماله بعد وفاته [إلا إذا كان الميت عازماً على دفع الخمس].
ثم يقسّم ما خلّفه -الباقي طبعاً- ثلاثة أقسام:
ثلث منها لما أوصى به وثلثان للورثة.
ـ أحياناً يوصي الميت بدفع مبلغ معين إلى شخص معين أو بتمليك دار أو عقار أو قطعة أرض إلى شخص معين، أو قد يأمر بدفنه في مكان معين أو بتجهيزه وفق ضوابط خاصة، أو غير ذلك.
ـ يحق له كل ذلك إذا لم يستلزم صرف أكثر من ثلث ما ترك من المال.
ـ قد يتلف شيء من مال الموصي بيد الوصي.
ـ الوصي غير مسؤول عن تلف ما في يده إلا مع التعدي أو التفريط.
قال أبي ذلك وأضاف:
ـ إذا لم تظهر علامات الموت للإنسان فالوصية مستحبة، أما إذا تخوّف من حدوث الموت أو ظهرت علاماته فتجب عليه حينئذٍ أشياء منها:
1 - وفاء ديونه التي حان وقت وفائها مع قدرته على الوفاء. أما الديون التي لم يحن وقت وفائها فتجب عليه الوصية بها والاستشهاد عليها إذا لم تكن معلومة عند الناس.
2 - إرجاع الأمانات إلى أهلها أو إعلام أصحابها بأماناتهم عنده أو أن يوصي بإرجاعها.
3 - أداء الخمس والزكاة فوراً إن كان في رقبته شيء منها وكان قادراً على الأداء.
4 - قضاء الصلاة والصيام الواجب في ذمته، وإن لم يتمكن من أدائه بنفسه فيوصي باتخاذ أجير من ماله ليصلي ويصوم نيابة عنه.
المهم انه يجب عليه التوثق من أداء ما يجب عليه في ذمته من صوم وصلاة وحقوق، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بوصية أو طلب وتعهد من أولاده أو غيرهم بالأداء عنه وتفريغ ذمته.
5 - [إخبار الورثة بما أخفى من مالٍ عند غيره أو في مكان خاص لا يعلمه غيره، لئلا يضيع حقهم بعد وفاته].
ـ قلت لي في بداية الحوارية أن الوصية مستحبة. فلو لم يوص الإنسان؟
ـ لو لم يوص الإنسان سقط حقه في التصرف بثلث ما تركه كما يحب ويشاء، فتقسّم جميع تركته وفق ضوابط خاصة على ورثته.
ـ وكيف تقسّم؟
ـ هذا ما سأتناوله في حوارية الإرث القادمة إن شاء الله.
| الفهرست التفصيلي |
قال أبي مبتدئاً حوارية الإرث:
يمكننا أن نقسم طبقات الأقرباء من زاوية الإرث إلى ثلاث طبقات:
الطبقة الأولى: الأبوان والأولاد وأولاد الأولاد وهكذا..
غير أن الولد إن وجد منع الحفيد والسبط من الإرث.
ـ وما الحفيد وما السبط يا أبتي؟
ـ الحفيد هو ابن الأبن، والسبط هو ابن البنت.
الطبقة الثانية: الاُخوة والأخوات، وإن لم يوجدوا فأولادهم، وإذا تعدد أولاد الأخ منع الولدُ الأقرب منهم الولد الأبعد من الإرث، ويشارك الأخوة في هذه الطبقة الأجداد والجدات فإن لم يوجدوا فآباء الأجداد والجدات وأمهاتهم.
ـ اضرب لي مثلاً على ما تقول؟
ـ ابن الأخ مثلاً إن وجد منع حفيد الأخ من الميراث.
الطبقة الثالثة: الأعمام والأخوال والعمات والخالات، وإن لم يوجدوا فأبناؤهم.
ويرث الأقرب منهم فالأقرب، حيث لا يرث أبناء العم، أو الخال، أو العمة أو الخالة مع وجود العم أو الخال أو العمة أو الخالة إلا في حالة واحدة نصّت عليها كتب الفقه.
ـ إذا لم يوجد للمتوفى أعمام أو أخوال ولا أولادهم؟
ـ حينئذٍ سيرثه عمومة أبيه واُمه، وعماتهما وأخوالهما وخالاتهما وأبناؤهم.
ـ ومع عدم وجودهم؟
ـ سيرث المتوفى عمومة جده وجدّته وأخوالهما وعماتهما وخالاتهما وبعدهم أولادهم، علماً بأن الأقرب منهم مقدم على الأبعد.
ـ ولماذا قسَّمت الأقرباء إلى طبقات هذه المرة ولم تقسمهم كما اعتدت في التقسيمات السابقة إلى أقسام.
أقصد لماذا قلت: نقسم الأقرباء إلى طبقات، ولم تقل إلى أقسام؟
ـ سؤالك وجيه، فهنا في الإرث لا يرث القريب من الطبقة اللاحقة ما دام هناك قريب من الطبقة السابقة، فهم متدرجون طبقة بعد طبقة.
ـ ولم تذكر لي الزوج والزوجة في أي من الطبقات الثلاث مارة الذكر؟
ـ إنهما يرثان وفق ضوابط خاصة بمعزل عن هذه الطبقات، بل مع جميعها يرثان.
ـ سأسألك إذن أولاً عن إرث الطبقة الأولى ثم انتقل إلى الثانية فالثالثة.
ـ سل كما تشاء.
ـ إذا لم يكن للمتوفى قريب من الطبقة الأولى إلا أبناؤه فقط؟
ـ ورثوا ماله كله.
ـ فإن كان الولد واحداً ذكراً كان، أو أنثى؟
ـ ورث المال كله.
ـ وإن كانوا ذكوراً كلهم أو إناثاً كلهن؟
ـ تقاسموا المال بينهم بالسوية.
أما إذا كانوا ذكوراً وإناثاً معاً فللذكر مثل حظ الاُنثيين.
ـ أراك تطلق لفظ الولد على الذكر والاُنثى معاً لا على الذكر وحده كما هو شائع عندنا.
ـ نعم، قال تعالى في كتابه الكريم: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الاُنثيين).
ـ لو فرضنا أن رجلاً مات وله ابن وبنت فكيف يقسّم بينهم الإرث؟
ـ يقسّم مال الميت ثلاثة أسهم، للإبن منه سهمان وللبنت سهم واحد.
ـ إذا لم يكن للميت قريب من الطبقة الأولى غير أبويه، وكان أحدهما حياً والآخر ميتاً؟
ـ ورث الحي الإرث كله.
ـ لو كان الأب والأم حييّن معاً ولم يكن للميت اُخوة؟
ـ أخذ الأب ثلثي المال، وأخذت الأم الثلث الباقي.
ـ لو كان الأب والأم معاً حييّن وكانت للميت بنت واحدة؟
ـ قسم المال ثلاثين حصة، أعطي ست منها للاُم، وست للأب، وثمان عشرة حصة للبنت.
ـ وإذا اجتمع للميت أحد الأبوين مع أولاد وبنات؟
ـ كان سدس المال للأب أو للاُم، ويقسم الباقي بين الأولاد وفق قاعدة (للذكر مثل حظ الأنثيين).
ـ دعنا ننتقل إلى إرث الطبقة الثانية.. أذكر أنك قلت لي أن الأخوة من الطبقة الثانية.
ـ هذا صحيح.
ـ إذا مات الإنسان وله أخت واحدة أو أخ واحد؟
ـ للأخ الواحد، أو الأخت الواحدة المال كله.
ـ وإذا كان له أخوة متعددون من أبيه وأمه؟
ـ قسّم المال بينهم إن كانوا كلهم ذكوراً أو كلهن إناثاً، أما إذا كان بعضهم ذكوراً والبعض الآخر إناثاً فـ (للذكر مثل حظ الأنثيين) إن كانوا أخوة لأبيه وأمه، أو لأبيه فقط من دون اُمه، أما أخوة الأم فقط فيقتسمون بالسويّة مهما كانوا.
ـ طيب، والعم والعمة من الطبقة الثالثة، أليس كذلك؟
ـ نعم، وكذلك الخال والخالة.
ـ لو فرضنا أن شخصاً مات وليس له إلا عم واحد أو عمة واحدة.
ـ المال كله للعم أو العمة.
ـ إذا كان له أعمام متعددون، وعمات متعددات.
ـ قُسّم المال بينهم جميعاً (للذكر مثل حظ الأنثيين).
ـ إذا اجتمع للميت عم أو عمة أو أكثر مع خال أو خالة أو أكثر.
ـ كان ثلث المال للخؤولة والباقي للعمومة، طبعاً يقسّم المال بينهم على طريقة (للذكر مثل حظ الاُنثيين).
ـ وإرث الزوج والزوجة؟
ـ للزوجة حكم خاص في الإرث فبعض مخلّفات الزوج لا ترث منها زوجته مطلقاً، لا في نفس ما ترك الزوج وخلّف ولا في ثمنه.
فالأراضي بصورة عامة، أرض الدار مثلاً، أرض المزرعة مثلاً، وغيرهما... كل أرض للزوج لا نصيب للزوجة فيها ولا في ثمنها.
هذا شيء، وهناك شيء آخر يخص إرث الزوجة.
ـ ما هو؟
ـ بعض أموال الزوج ترث الزوجة قيمتها فقط كالأبنية التي في الدور مثلاً والأشجار والزروع، ولا ترث عينها، فالزوجة لا حق لها في نفس البناء ولا في نفس الشجر ولا الزرع. فهي لا ترثه وإنما حقها فقط في قيمة البناء وقيمة الشجر وقيمة الزرع. ولا يجوز للورثة التصرف في ما ترث منه الزوجة إلا باستئذانها.
ولا بد لهم ـ لكي يعطوا الزوجة حقها وحصتها من قيمة الأشجار والبناء ونحوها ـ أن يقِّدروا قيمة مواد البناء والشجر ليستخلصوا إرث الزوجة من مجموع قيمة هذه الأشياء بعد تقديرها.
ـ وغير الأراضي والأبنية والأشجار والزروع مما ترك الزوج وخلّف؟
ـ ترث منها الزوجة كما يرث سائر الورثة الآخرون.
ـ وهل يرث الزوج زوجته؟
ـ نعم، يرث الزوج من كل ما تركته الزوجة وخلّفته منقولاً وغير منقول أرضاً وأموالاً وأشجاراً وبناءً... وغيرها.
ـ إذا ماتت الزوجة وزوجها حي وليس لها ولد؟
ـ للزوج نصف ما خلّفت الزوجة والنصف الآخر لباقي الورثة من سائر الطبقات إن كانوا موجودين.
ـ وإن كان لها ولد؟
ـ للزوج الربع، والباقي لسائر الورثة.
ـ لو عكسنا السؤال.. لو قلنا: إذا مات الزوج وليس له ولد، وزوجته حية، فكم نسبة ما ترثه من زوجها؟
ـ للزوجة الربع، والباقي للورثة.
ـ وإن كان له ولد؟
ـ للزوجة الثمن والباقي للورثة.
قال أبي: هناك مسائل أخرى وفروض أخرى في الإرث أشبعتها بحثاً كتب الفقه، فإذا رغبت المزيد فراجعها، غير أني سأشير لك في ختام لقائنا إلى أمرين:
1 - يعطى من تركة المتوفى للولد الأكبر قرآن المتوفى وخاتمه وسيفه وملابسه سواء لبسها المتوفى أم أعدها للبسه.
2 - القاتل لا يرث المقتول إذا كان القتل عمداً ظلماً، [بل حتى إذا كان القتل خطأ].
| الفهرست التفصيلي |
قلت لأبي ـ بعد أن جلس ـ مبتدئاً أنا هذه المرة حوارية اليوم، قلت له: وأنا أؤدي مراسيم الزيارة لمراقد أئمتي الأطهار (عليهم السلام) أشاهد أحياناً عبارة (وقف) مكتوبة على بعض المصاحف الكريمة الموضوعة داخل المرقد الطاهر، أو على الثريات، وأجهزة التبريد، والمصابيح، وغيرها.
كما أشاهد عبارة الوقف هذه أحياناً أخرى على بعض العمارات، والبنايات، والمحلات، وعلى المراوح، والمصابيح في المساجد والحسينيات، وربما على بعض الثلاجات في الشوارع العامة وغيرها.
ـ نعم، يحق للإنسان أن يوقف الأشياء التي ذكرتها وأمثالها وفق ضوابط خاصة، فإذا تم الوقف بشروطه الشرعية خرج الشيء الموقوف عن ملك مَن وقفه، وأصبح مالاً لا يوهب، ولا يورث، ولا يباع إلا في حالات خاصة نصَّت عليها كتب الفقه.
قال أبي ذلك وأضاف:
ـ يكون الوقف تارة للموقوف عليه كما إذا وقف شخص ملكاً له على ذرّيته أو العلماء أو الفقراء أو غيرهم.
وأخرى لا يكون كذلك كما إذا وقف شخص ملكاً له ليكون مسجداً.
وقد يعين الواقف شخصاً على الوقف يدير شؤونه ويعمل بما قرره الواقف من شروط ويسمى بـ (المتولي).
ـ وهل للوقف صيغة محددة؟
ـ لا، ولا لغة معينة، فلو بنى شخص ما بناءً ليكون مسجداً، وأذِن بالصلاة فيه صار وقفاً وأصبح مسجداً.
ويشترط في الوقف ـ قال أبي ـ شروط:
1 - [أن يكون بنية القربة].
2 - الاستمرار والدوام، فلا يصح الوقف إذا حدَّده الواقف بوقت معين.
ـ اضرب لي مثلاً على ما تقول.
ـ إذا وقف إنسان ما داره على الفقراء مدة سنة مثلاً، فلا يصح الوقف لأنه غير دائم ولا مستمر.
3 - أن يخرج الواقف نفسه عن الوقف.
ـ مثلاً؟
ـ إذا وقف إنسان ما عمارة على نفسه مثلاً، كي يصرف مردودها المادي على مؤنته وشؤونه لم يصح الوقف.
ـ وإذا وقف الإنسان داره على شخص معين، أو أشخاص معينين كأولاده أو أقربائه مثلاً.
ـ صح الوقف بعد قبضهم له، ذلك أن الوقف لا يصح من دون قبض الموقوف عليه أو وكيله أو وليه.
ـ وكيف يتم قبضهم للدار مثلاً؟
ـ يكفي في قبض الأموال غير المنقولة رفع الواقف يده عنها، واستيلاء الموقوف عليه أو وكيله أو وليه عليها.
ـ أحياناً يكون المال الموقوف بيد الموقوف عليه؟
ـ يكفي ذلك في قبضه ولا حاجة إلى قبض جديد.
ـ والأوقاف العامة من يقبضها؟
ـ [لابد من استعمالها فيما وقفت له].
ـ قلت لي: يشترط في الوقف الدوام والاستمرار، فلا يحق للواقف أن يحدد مدة معينة يرجع بانقضائها ملكه إليه.
ـ نعم، ويحق له إذا أراد عدم الدوام ـ أن (يحبس) ملكه ولا (يوقفه) ـ أن يحبس ملكه على جهة معينة أو شخص معين مدة يحددها بنفسه، وحينئذٍ لا يجوز له الرجوع قبل انقضائها، حتى إذا ما انتهت المدة عاد كل شيء إلى حالته الأولى.
قال أبي ذلك، ثم أطرق قليلاً وتنهد كمن تذكر شيئاً محزناً.
قلت له ـ لأقطع عليه سلسلة أفكار كئيبة تناهبته ـ:
ـ اضرب لي مثلاً على ذلك.
ـ إذا قال مالك سيارة نقل مثلاً: سيارتي (حبيسة) على نقل الحجاج إلى بيت الله الحرام عشر سنين، حبست سيارته على نقل الحجاج عشر سنين. فإذا انتهت المدة المحددة عادت سيارته إلى وضعها السابق.
ـ لو فرضنا أن هذا الشخص مات قبل انقضاء المدة المحددة، فهل تعود سيارته إلى ورثته ليتقاسمونها كإرث؟
ـ إذا مات الحابس بقي الشيء المحبوس على حبسه حتى تنتهي المدة، فإذا انتهت عاد وأصبح ميراثاً.
ـ وهل يحق للإنسان أن يحبس ملكه مدة حياته على شخص؟
ـ نعم، يحق له ذلك، ولا يجوز له الرجوع ما دام حياً، فإذا مات رجع ذلك الشيء ميراثاً إلى ورثته.
ـ إذا قال المالك لشخص: أسكنتك هذه الدار لك ولأولادك؟
ـ لم يجز له الرجوع في هذه (السكنى) ما دام الساكن موجوداً هو وأولاده، فإذا ماتوا رجعت الدار إلى مالكها أو ورثته.
ـ وإذا قال له: أسكنتك داري مدة حياتك، فمات الشخص المالك قبل الساكن؟
ـ لم يجز للورثة إخراج الساكن حتى يموت، فإذا مات عادت الدار إرثاً للورثة.
ـ أيجوز لزوج أن يوصي (بتحبيس) أقل من ثلث ماله على زوجته من أجل أن تستثمره في التجارة مدة حياتها على أن يعود المال بعد وفاتها إلى ورثة الزوج؟
ـ نعم، يجوز له ذلك.
ـ فراش المسجد وقف للمسجد أليس كذلك؟ فهل يجوز للولي إعارته مثلاً لعرس أو مناسبة؟
ـ مع كونه وقفاً مخصوصاً لا يجوز الانتفاع به في غير جهة الوقف.
ـ وهل يجوز تأجيره؟
ـ كذلك لا يجوز.