| الفهرست التفصيلي |
هل تود أن تمتهن التجارة؟ إذن فتفقه في دينك.
قال أبي ذلك وأردف:
(من أراد التجارة فليتفقه في دينه ليعلم بذلك ما يحل له مما يحرم عليه، ومن لم يتفقه في دينه ثم اتجر تورط في الشبهات).
بهذا الحوار المعزز بنص شريف للإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) بدأ أبي حوارية التجارة ليشير إلى قضية.
قال: إنه غفل عنها الكثيرون أو تغافلوا فتورطوا في الشبهات.
ولما كنت لم أدرك بعد كنه وسرّ هذا الربط بين الفقه والتجارة سألت أبي:
وما علاقة الفقه بالتجارة يا أبي؟
قال موضحاً بنبرة هادئة مستعيناً بحركة بسيطة ليديه:
لقد كفل لنا التشريع الإسلامي معالجة مختلف جوانب حياتنا الاقتصادية بما يضمن العدالة وحسن استثمار وتوزيع وانتقال الثروة بين مختلف أفراد وطبقات المجتمع لما فيه خير ومصلحة وسعادة الجميع.
وطبيعي أن يؤسس المشرّع الإسلامي لأجل تطبيق مبدئه الاقتصادي من خلال منظوره ذاك عدة ضوابط تجيز أو تحظر بعض الأنشطة الاقتصادية أحياناً، أو تضيق أو توسع قنوات بعض منها أحياناً أخرى.
فهو يوجب على المكلف السعي للتكسب لمعيشة نفسه ولضمان معيشة من يجب عليه الإنفاق عليهم كالزوجة والأولاد والأبوين عند حاجتهم، إذا لم يكن الإنسان واجداً لها.
وهو إذ يلزمه بالسعي لكسب لقمة العيش لا يترك له الباب مفتوحاً على مصراعيه لمزاولة أي من الأعمال والنشاطات التي يقع اختياره عليها، فهناك من الأنشطة التجارية ما هو محرمة عليه مزاولته أو مباشرته.
فمثلاً بيع الخمر والبيرة حرام، وبيع الكلاب ـ عدا كلب الصيد ـ حرام، وبيع الخنزير حرام، وبيع الميتة ـ بما في ذلك لحوم وجلود الحيوانات المذبوحة بطريقة غير شرعية ـ حرام، وغصب المال وبيعه حرام، وبيع الآلات المعدة للحرام مثل آلات القمار وآلات اللهو كالمزمار حرام، والغش حرام، والربا حرام، والرشوة على القضاء بالحق أو الباطل حرام، واللعب بآلات القمار كالدوملة والطاولي مع الرهن وبدونه حرام، وشراء المأخوذ بالقمار أو السرقة حرام، والاحتكار حرام.. إلى غير ذلك مما يذكر في كتب الفقه الإسلامي.
ـ ما هي الأمور التي يحرم احتكارها؟
ـ إنها على قسمين..
1 - يحرم احتكار الحنطة والشعير والتمر والزبيب والزيت والسمن [بل أنواع الطعام كلّها إذا كان مما يعتمد عليه أهل البلد في مأكلهم] مع حاجة الناس لها وعدم وجودها في الأسواق بحيث يوجب الضيق على الناس.
2 - يحرم احتكار ما يؤدي إلى الضرر الكبير على الناس كالأدوية المستعملة لعلاج الأمراض الصعبة، أو اختلال النظام الاجتماعي العام، وهذا القسم من الاحتكار الحرام لا يقتصر على الطعام، بل يشمل غيره كالدواء، بل حتى الأعمال التي يتضرر المجتمع من حرمانه منها ضرراً كبيراً، فيحرم على العلماء والأطباء وأصحاب المهن الامتناع عن تعليم الناس إذا كان يؤدي ذلك إلى الإضرار الكبير بالمجتمع أو إلى اختلال النظام الاجتماعي العام.
وهناك من النشاط التجاري ما هو مرجوح غير مبغوض للمشرّع الإسلامي، ولكن تركه واجتنابه والنأي عنه غير ملزم للمكلفين، فهو مكروه لا محرّم.
ـ اضرب لي مثلاً؟
ـ بيع العقار ـ مثلاً ـ مكروه إلا أن يشتري بثمنه عقاراً آخر، وبيع الطعام مكروه، وبيع الأكفان مكروه، وبيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة مكروه، والاقتراض من مستحدث النعمة مكروه، كما يكره للإنسان أن يمتهن جزاراً أو صائغاً، وهناك غيرها.
ثم إن بعضاً من أساليب وطرائق التعامل في الأنشطة التجارية مكروه للمشرّع الإسلامي.
ـ مثلاً؟
ـ مثلاً، يكره كتمان العيب إذا لم يؤد إلى غش، أما إذا أدى إلى غش فهو حرام، ويكره الحلف في المعاملة إذا كان صادقاً، أما الحلف الكاذب فهو حرام، ويكره زيادة الربح على المؤمن إذا زاد ذلك الربح على مقدار الحاجة اليه، ويكره طلب تنقيص السعر بعد البيع، ويكره البيع في المكان المظلم الذي لا يظهر فيه عيب السلعة، ويكره مدح البائع سلعته وذم المشتري لها، وهناك غيرها...
ـ هذه كلها غير مرغوبة للمشرّع الإسلامي فهل..؟
ـ نعم، هناك من النشاط التجاري ما هو مرغوب فيه للمشرّع الإسلامي ومحبوب له، ولكنه غير ملزم للمكلفين ولا واجب عليهم فهو مستحب.
فمثلاً إقراض المؤمن بغير طلب الزيادة مستحب، وزراعة الأرض وغرسها مستحبة، وشراء العقار مستحب، وإعطاء المال لمن يتاجر به وفق نسبة من الربح للعامل به معينة متفق عليها مستحب، ومباشرة العمل باليد مستحبة، والرعي مستحب، وغير ذلك.
كما إن بعضاً من أساليب وطرق النشاط التجاري محبوب للمشرّع الإسلامي ومرغوب فيه.
ـ مثلاً؟
ـ مثلاً، يستحب التسوية بين المسلمين في الثمن فلا يفرق البائع بين المشتري المماكس ـ ذلك الذي يلح على تخفيض السعر ـ وبين غيره ممن يشتري دون مماطلة أو مماكسة، ويستحب للبائع ان يقيل النادم ـ ذاك الذي يشتري البضاعة ثم يندم على شرائها ويرغب بإعادتها لبائعها واسترجاع ثمنها ـ ويستحب للإنسان أن يأخذ الناقص ويعطي الراجح، ويستحب التساهل في الثمن، ويستحب فتح الباب والجلوس في المحل، ويستحب التعرض للرزق وطلبه والتصدي له، ويستحب الإحسان في البيع والسماح فيه، ويستحب اختيار وشراء الجيد وبيعه، ويستحب الاغتراب في طلب الرزق والتبكير إليه... وغيرها.
أضاف أبي: وكما أن بعضاً من الأنشطة التجارية وأساليبها غير محبوب للمشرّع الإسلامي، ولا مبغوض له، فالإنسان مخير بين فعلها وتركها من دون ترجيح للفعل أو للترك، فهي مباحة كما هي حال الكثير من الأنشطة التجارية السائدة اليوم.
ثم إن المشرّع الإسلامي إضافة إلى ذلك كله ـ قال أبي ـ يشترط شروطاً في ما يباع، وشروطاً في من يبيع ويشتري.
ـ وما الذي يشترط في ما يباع؟
ـ شروط عدة:
1 - العلم بمقدار وزن أو كيل أو عدد أو مساحة ما يباع، كل حسب نوعه، إلا إذا تعارف بيعه من دون تقدير وتحديد.
2 - القدرة على تسليم المبيع، فلا يجوز مثلاً بيع السمك وهو في النهر ولا بيع الطائر وهو محلق في الجو.
3 - أن لا يتعلق بالمبيع حق لأحد، فلا يجوز بيع الوقف مثلاً، والمنذور بنفسه لجهة خاصة.
4 - أن يكون المبيع من الأعيان كالدار أو الكتاب أو الجهاز مثلاً، فلا يجوز بيع منفعة الدار لا الدار نفسها.
وأردف أبي مضيفاً:
كما أن ما يباع بالوزن في بلد ما لا يصح بيعه في ذلك البلد إلا بالوزن. وما يباع بالمساحة في بلد ما لا يجوز بيعها إلا بالمساحة في ذلك البلد. وهكذا حتى لا يكون تغرير في البيع.
ـ اضرب لي مثلاً على ذلك؟
ـ الفاكهة مثلاً تباع في بلد ما بالوزن فلا يجوز بيعها في ذلك البلد إلا بالوزن، والأقمشة مثلاً تباع في بلد ما بالمساحة ياردة كانت أو متراً أو غيرهما، فلا يجوز بيعها في ذلك البلد إلا بالمساحة وهكذا.. خوفاً من حصول تغرير.
كما أنه لا يجوز تعليق البيع على أمر غير حاصل ساعة البيع.
ـ اضرب لي مثلاً على ذلك؟
ـ لا يجوز أن تقول للمشتري مثلاً بعتك داري هذا إذا هلّ هلال الشهر، ولا أن تقول له بعتك سيارتي هذه إذا ولد لي ولد ذكر، وغيرها. بل لابد من تجديد الاتفاق ثانية بعد ولادة الولد أو بزوغ الهلال مثلاً.
هذه هي جملة من الشروط الواجب توفرها في ما يباع ويشترى.
ـ وما هي الشروط الواجب توفرها في من يبيع ويشتري، تلك التي أشرت إليها في حديثك؟
ـ يشترط في من يبيع أو يشتري أن يكون بالغاً، عاقلاً، رشيداً، قاصداً البيع، مختاراً غير مجبر ولا مكره، يحق له التصرف، سواء أكان مالكاً، أم وكيلاً عنه، أم مأذوناً منه، أم ولياً عليه.
ـ ولو اُكره أو اجبر مالك على بيع ما يملك؟
ـ لا يصح البيع إذا أجبره أو أكرهه الظالم فباع خوفاً من وقوع الضرر على نفسه أو ماله أو من يتعلق به ممن يهمه أمرهم.
ـ أحياناً يجبر إنسان ما على تغيير محل إقامته ظلما فيضطر إلى أن يبيع بعض أملاكه أو حاجياته؟
ـ هذا البيع صحيح.
ـ قلت لي يشترط في من يبيع أن يكون مالكاً أو وكيلاً، أو ولياً أو مأذوناً فلو باع غير هؤلاء كالصديق أو الجار أو القريب أو ما شاكل ذلك؟
ـ لا يصح البيع إلا إذا اقره المالك أو الوكيل أو الولي أو المأذون بالبيع، وإلا فالبيع باطل.
ـ ولو تم بيع المال المغصوب ثم رضي المالك بعد ذلك ببيع ماله؟
ـ صح البيع.
ـ قلت لي: يشترط في المتبايعين أن يكونا بالغين. وهذا يعني أنه لا يصح بيع الصبي؟
ـ نعم، لا يصح بيع الصبي إلا بإذن وليّه إذا كان في ماله، وفي مال غيره لابد من إذن صاحب المال.
ـ ولو تم البيع وفق الشروط مارة الذكر بيع أيّ شيء، فهل يحق للمشتري أن يعيد ما اشتراه ويستعيد الثمن؟
ـ يحق إلغاء البيع في حالات عدة:
1 - إذا كان البائع والمشتري ما زالا بعدُ مجتمعين ولم يتفرقا فيحق لأي منهما إلغاء البيع.
ـ وإذا تفرقا وذهب كل منهما لحاله وسبيله؟
ـ عندئذٍ يلزم البيع ويثبت.
2 - إذا كان البائع أو المشتري مغبوناً فيحق له إلغاء البيع، فمثلاً إذا باع البائع بأقل من القيمة السوقية للبضاعة وكان غافلاً عن الفرق، أو كان لا يعلم ثم علم بذلك فيحق له إلغاء البيع، وكذلك إذا اشترى المشتري بأكثر من القيمة السوقية للبضاعة وهو لا يدري ثم تبين له ذلك فيحق له إرجاع البضاعة واستعادة ماله الذي دفعه.
3 - إذا رأى المشتري البضاعة بحالة فاشتراها ثم وجدها وقد تغيرت حالتها عما رآه. أو إذا وصف البائع البضاعة فاشتراها المشتري من دون أن يراها ثم تبين له بعد ذلك أن البضاعة فاقدة للصفات التي ذكرها البائع فيحق للمشتري إرجاع البضاعة وإلغاء البيع.
4 - إذا اشترط البائع أو المشتري على الآخر شرطاً يخوله بموجبه إرجاع البضاعة خلال مدة معينة فله حق إعادتها خلال تلك المدة.
5 - إذا اشترى المشتري شيئاً فوجد فيه عيباً جاز له إرجاعه، كما إذا وجد البائع عيباً في الثمن جاز له إرجاعه واستعادة البضاعة.
6 - إذا اشترى مجموعة من الحاجيات صفقة واحدة ثم تبين أن بعضها لا يباع لكونه وقفاً مثلاً أو ملكاً لغير البائع أو نحو ذلك جاز إلغاء البيع في جميع الصفقة، كما يجوز ذلك للبائع.
7 - إذا كان المبيع حيواناً فللمشتري حق إلغاء البيع وإرجاع الحيوان لصاحبه خلال ثلاثة أيام من تاريخ البيع واستعادة الثمن.
8 - إذا رأى البائع بضاعته بأفضل مما هي عليه في الواقع ليزيد من قيمتها السوقية فللمشتري حق إرجاعها للبائع واستعادة ثمنه إذا لم توافق النموذج الذي رآه.
9 - إذا تعهد أحد المتبايعين بالعمل بطريقة معينة ثم لم يعمل وفق ما قال، أو اشترط المشتري وجود صفة خاصة بالبضاعة فلم يجدها بعد الشراء، أو اشترط تسليم البضاعة في وقت محدد فلم ينفذ البائع أو نحو ذلك، كان له حق إعادتها. وكذلك البائع إذا اشترط شرطاً على المشتري كما إذا اشترط بتسليم الثمن في فترة محددة فلم ينفذ المشتري الشرط فإن له حق إلغاء البيع ولا يجب في الشرط أن يكون مذكوراً صراحة بل يكفي أن يكون شرطاً ضمنياً متعارفاً عليه في مثل تلك المبايعات.
10 - إذا باع البائع بضاعة معينة ولم يأت المشتري ليأخذها انتظره البائع ثلاثة أيام ثم يحق له إلغاء البيع، سواء كان قد دفع الثمن للبائع أم لم يكن دفعه، وسواء كان البائع راضياً بالتأخير [أم لم يكن]. هذا إذا لم يكن بينهما اتفاق صريح على تعجيل التسليم أو تأخيره لوقت محدد. وكذلك إذا قبض المشتري البضاعة وتأخر في تسليم الثمن [فينتظره البائع ثلاثة أيام] ثم يحق له إبطال البيع وإلغاؤه.
ـ إذا تم البيع ولزم ولكن البائع والمشتري اتفقا على تأجيل دفع الثمن وتأخيره، أقصد البيع بالدين؟
ـ يصح البيع [ولكن يجب أن تكون مدة الدين محدودة غير قابلة للزيادة والنقصان، لا مبهمة غامضة، فلو اتفقا على دفع الثمن حين الحصاد بطل البيع، لأن موعد الحصاد غير محدد].
ـ وإذا حل موعد تسديد الدين واتفقا على تأجيله لمدة معينة مقابل زيادة؟
ـ لا يجوز ذلك لأنه من الربا، والربا محرم قال الله تعالى في كتابه الكريم: (حلّ الله البيع وحرّم الربا).
ـ يتفق البائع والمشتري أحياناً على بيع مائة كيلو من الحنطة بمائة وعشرين كيلو منها؟
ـ هذا من الربا أيضاً، وهو محرّم.
ـ ويتفقان أحياناً أخرى على بيع مائة كيلو من الحنطة بمائة كيلو من الحنطة زائداً خمسين ديناراً؟
ـ هذه البيع من الربا كذلك وهو ـ كما عرفت ـ حرام إلا أن يضم إلى الناقص شيئاً متموّلاً ـ ذا قيمة ـ.
ـ وكيف أعرف أن هذه المعاملة من الربا فأجتنبها؟
ـ يشترط في تحقق الربا بالمعاملة شيئان:
1 - أن يكون كل من العوضين مما يكال أو يوزن كالحنطة أو الشعير أو الرز أو العدس أو الماش أو الفاكهة أو الذهب أو الفضة وكل ما يوزن أو يكال.
2 - أن يكونا من جنس واحد.
ـ وإذا كان كل من العوضين يباع بالعدد مثلاً لا بالوزن أو الكيل كالبيض مثلاً، أو كان يباع بالمساحة كالأقمشة التي تباع بالأمتار وغيرهما؟
ـ عندئذٍ يجوز بيعها بزيادة، فيجوز بيع ثلاثين متراً من القماش بأربعين متراً منها، كما يجوز بيع ثلاثين بيضة بأربعين بيضة، وهكذا غيرهما.
ـ والذهب؟
ـ لا يجوز فيه، لأنه موزون.
ـ وبيع الذهب المصوغ بأكثر منه من غير المصوغ، كما هو السائد اليوم عند بعض الصاغة؟
ـ هذا من الربا، وهو حرام إلا أن يضم شيء إلى الناقص.
ـ لو اختلفت نوعية الحنطة، كما لو بيعت مائة كيلو حنطة رديئة بتسعين كيلو حنطة جيدة، أو الرز كما لو بيعت مائة كيلو من العنبر الجيد بمائة وعشرين كيلو من العنبر الرديء، وهكذا غيرهما؟
ـ كذلك لا يجوز بيع كهذا، لأنه ربا إلا مع الضميمة، كما سبق.
ـ ولو بيعت مائة كيلو من الحنطة بسبعين كيلو من الرز؟
ـ يجوز البيع، لأن الحنطة جنس والرز جنس آخر، مع ملاحظة أن الحنطة والشعير في الربا جنس واحد، فلا يجوز بيع مائة كيلو من الحنطة مثلاً بمائة وخمسين كيلو من الشعير بمفرده، كما أن التمور بأنواعها المختلفة جنس واحد، والحنطة وطحينها والخبز منها جنس واحد، والحليب مع الجبن جنس واحد، والعنب والزبيب جنس واحد، والرطب والتمر جنس واحد، [والتمر مع الدبس جنس واحد، والعنب وعصير العنب جنس واحد].
هذا، وهناك نوع آخر من الربا يسمى بـ (ربا القرض).
ـ وما ربا القرض؟
ـ ربا القرض أن يشترط المقرض زيادة في الدين على المقترض كأن يقرضه ألف دينار على أن يدفع له بعد فترة من الزمن ألفاً ومائة دينار، وهو كذلك محرّم، محرّم عليهما معاً.. (المقرض والمقترض).
ـ ربا القرض إذن دين بفائدة، أما الدين بلا فائدة؟
ـ إقراض المؤمن دون فائدة من المستحبات الأكيدة، كما قلت لك من قبل، وخاصة لذوي الحاجة والعوز منهم، فعن النبي (صلى الله عليه وآله): (من أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أيضاً: (من شكا إليه أخوه المسلم ولم يقرضه حرّم الله عز وجل عليه الجنة يوم يجزي المحسنين).
وعن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام): (مكتوب على باب الجنة الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر).
ـ كان هذا هو حال القرض.. أما الشركة؟
ـ الشركة جائزة بين شريكين بالغين، عاقلين، رشيدين، مختارين، غير مجبرين.
ـ كيف تحصل؟
ـ تحصل الشركة بامتلاك شخصين أو أكثر لمالٍ واحد على أن تكون لكل منهما نسبة معينة فيه.
ويحق لكل من الشريكين أو الشركاء طلب القسمة وإلغاء الشركة إذا كان ذلك لا يؤدي إلى ضرر شريكه ضرراً ملموساً، فإذا طلب القسمة أحدهما لم يجز للآخر التصرف في المال المشترك إلا بإذنه.
ويلحق لا من الشريكين من الربح والخسران بنسبة ماله فإن تساويا في الحصة كان الربح والخسران بينهما بالسوية، وإن اختلفا فنسبة كل منهما من الربح والخسارة بنسبة ما وضع من المال.
ـ وإذا اتفق الشريكان على زيادة لأحدهما في الربح، لأنه يقوم بالعمل أو لأن عمله أكثر من عمل شريكه؟
ـ الاتفاق صحيح نافذ.
ـ وإذا تلف بيد من يعمل منهما شيء من مال الشركة؟
ـ الشريك العامل أمين فلا يضمن التلف إلا بالتعدي والتفريط.
ـ إذا دفع مالك أمواله لشخص قادر على التجارة ليتاجر بها على أن يكون للعامل نسبة محددة من الربح كالنصف أو الثلث أو الربع؟
ـ صحت المعاملة إذا اتفقا وكانا بالغين، عاقلين، مختارين، رشيدين، ويحق لكل منهما بعدئذٍ إلغاء الاتفاق قبل الشروع بالعمل أو بعده، قبل تحقق الربح أو بعده، ولا خسران على العامل إذا لم يتصرف بخلاف الاتفاق مع المالك ولم يفّرط و لم يتعدّ.
ـ وإذا اشترط صاحب المال على العامل أن تكون الخسارة عليهما معاً كالربح؟
ـ لم يصح ذلك وكان للمالك رأس ماله فقط ويكون للعامل الربح كله.
ـ وإذا اختلفا في مقدار نصيب العامل، فادعى المالك نسبة أقل وادعى العامل نسبة أكثر، ولا بيّنة للعامل؟
ـ القول قول المالك ويأخذ به الحاكم الشرعي عند رفع القضية إليه مع حلفه به.
ـ وإذا ادعى المالك أن العامل قد خان أو فرّط في الأموال؟
ـ القول قول العامل يأخذ به ـ كسابقه ـ الحاكم الشرعي عند المرافعة.
ـ وإذا ادعى العامل تلف البضاعة، أو الخسارة، أو عدم الربح، وأنكر قوله المالك؟
ـ القول قول العامل عند المرافعة إلى الحاكم الشرعي.
ـ لو وكل إنسان إنساناً آخر ليقوم مقامه في عمل كان هو يباشره، كأن يوكل إنسان إنساناً آخر بأن يبيع داره أو محله أو ما شاكل؟
ـ يجوز له ذلك، ويعتبر في الوكيل والموكل أن يكونا بالغين، عاقلين، قاصدين إجراء الوكالة مختارين غير مجبرين عليها، كما يعتبر في الموكل الرشد.
ـ وهل هناك لفظة معينة للوكالة أو صيغة محددة؟
ـ لا، فليس للوكالة لفظ محدد ولا صيغة معينة، ويكفي فيها كل ما يدل عليها من قول أو فعل أو كتابة، وتبطل الوكالة بموت الوكيل أو الموكل.
ـ والإجارة؟
ـ تصح الإجارة من المالك أو الوكيل أو الولي، وتصح من الآخرين ـ إذا أجازها بعد ذلك المالك ـ ويعتبر في المؤجر والمستأجر البلوغ والعقل والاختيار والرشد. بينما يعتبر في ما يؤجَّر كالمحل أن تكون مدة الانتفاع به وكيفية الانتفاع معينة [ومحددة بالنحو المتعارف]، [وأن يتمكن المؤجر من تسليمه للمستأجر]، وأن يكون قابلاً للانتفاع به، وأن يكون ذلك الانتفاع محللاً، فلا تصح إجارة المحل مثلاً لبيع الخمر، وهكذا غيره من المحرمات.
ـ وهل للإجارة لفظ محدد؟
ـ ليس للإجارة لفظ محدد، بل يكفي في صحتها كل فعل يدل عليها، فيكفي للآخر مثلاً أن يشير إشارة مفهمة للإيجاب أو الاستئجار فتصح إجارته.
ـ وإذا أجر إنسان بيتاً أو محلاً واشترط عليه المؤجر أن يسكنه هو دون غيره أو يعمل فيه هو من دون غيره. فهل يحق للمستأجر أن يؤجره على غيره؟
ـ لا، لا يحق له ذلك.
ـ وإذا لم يشترط عليه المؤجر شرطاً كهذا؟
ـ للمستأجر حينئذٍ الحق في إيجاره لغيره شرط أن لا يؤجره بأكثر مما استأجره به إلا أن يرممه أو يصبغه أو يعمره أو ما شاكل.
ولا تصح الإجارة إلا إذا حددت مدتها فمن آجر داراً يجب أن يحدد مدة إجارته، ومن آجر محلاً يجب أن يحدد مدة إجارته وهكذا.
ـ اضرب لي مثلاً على إجارة غير محددة وبالتالي فهي غير صحيحة؟
ـ لو قال المالك للمستأجر: (آجرتك داري كل شهر بمائة دينار مهما أقمت فيها) فالإجارة صحيحة إن قبل المستأجر بهذا.
ولو قال المالك للمستأجر: (آجرتك محلي لهذا الشهر فقط بخمسين ديناراً، وكلما أقمت بعد ذلك من حسابه) فالإجارة صحيحة بالنسبة للشهر الأول فقط وباطلة في غيرها، هذا إذا كانت المعاملة السابقة بعنوان الإجارة، ويمكن أن تعالج وفق عناوين أخرى لا مجال هنا لذكرها.
ـ وإذا سلم المؤجر داره أو محله للمستأجر؟
ـ وجب على المستأجر تسليم الأجرة في أول المدة أو في آخرها حسبما يتفقان عليه.
ـ وإذا انهدمت الدار أثناء مدة الإجارة وهي بيد المستأجر؟
ـ إذا لم يقصر المستأجر في حفظها ولم يتعدّ فيتسبب في هدمها فهو غير مسؤول عن ذلك.
ـ ولو آجر مؤجر سيارته لمستأجر مثلاً؟
ـ [وجب تحديد كيفية استخدامها] فهل هي للركوب، أو لحمل البضاعة، أو لكليهما معاً، ويكفي في التحديد الفهم العام للحالة. وهكذا في بقية الأشياء الأخرى يجب تعيين نوع المنفعة.
ـ وإذا آجرها لنقل كمية من اللحوم المذبوحة بطريقة غير شرعية لطرحها في الأسواق؟
ـ ألم أقل لك سابقاً لا تصح إجارة محل لبيع الخمر... هذه مثلها لا تصح كذلك.
ـ لو وكل مالك شخصاً ليستأجر له عمالاً بأجر معين فاستأجرهم الوكيل بأقل مما حدده المالك؟
ـ يحرم على الوكيل أخذ الزيادة ويجب إعادتها إلى المالك.
ـ ولو آجر شخصاً صباغاً لصبغ داره بصبغ حددّ للصباغ نوعه ولونه ومواصفاته فصبغه الصباغ بغيره تجاهلاً للاتفاق؟
ـ لم يستحق الصباغ أجرة أصلاً ما دامت المواصفات المذكورة جزءاً من العمل المؤجر عليه.
ـ بقي أن أسألك عن (السرقفلية) أو (الخلو)؟
ـ إذا اتفق مالك ومستأجر على أنه لا يجوز للمالك حق زيادة بدل الإيجار وتخلية المحل، أو يجوز له الزيادة لكن وفق نظام يتفقان عليه وللمستأجر حق تخلية المحل لغيره، ويكون للمالك في مقابل ذلك أخذ (السرقفلية) أو (الخلو) من المستأجر، فيحقّ للمستأجر الأول في هذه الحالة أخذ السرقفلية من المستأجر الجديد الذي يخلي المحل له.
ـ لو أهدى إنسان إنساناً شيئاً ما دون مقابل ووهبه إياه؟
ـ إذا كان الواهب المُهدي بالغاً عاقلاً قاصداً الإهداء مختاراً غير مجبر ولا محجر عليه صحت هديته أو هبته بما في ذلك هدية أو هبة المريض وهو في مرض الموت، وما على الموهوب له إلا قبضها أو تسلّمها ـ إذا لم تكن هي بالأصل عنده ـ لتصبح تلك الهدية أو الهبة ملكه. علماً بأن الهبة عقد يحتاج إلى إيجاب وقبول، ويكفي فيهما كل ما يدل عليهما من قول أو فعل.
ـ وإذا لم تكن الهبة أو الهدية عند الموهوب له ولم يقبضها من الواهب؟
ـ تبقى على ملك مالكها الأول حتى يقبضها أو يتسلمها الموهوب له في حياة الواهب فتنتقل إلى ملكه.
ـ وكيف يمكن قبض مثل الدار لو أعطيت هدية؟
ـ إذا رفع الواهب يده عن الدار أو العقار وأخلاه وجعله تحت سيطرة الموهوب له فقد تم التسلم والقبض وصحت الهدية أو الهبة.
ـ ولو مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض أو التسلم؟
ـ بطلت الهبة أو الهدية وانتقل الشيء الموهوب إلى وارث الشخص الواهب.
ـ أحياناً يجد الإنسان حاجة أو مالاً ضائعاً لا يعرف صاحبه فيلتقطه؟
ـ إذا كان ما التقطه أقل من قيمة (2.975 غم) تقريباً من الفضة جاز تملكه، [لكن إذا كان على باب دار ـ مثلاً ـ أو بجنب شخصٍ يتوقع أن يكون هو صاحبه وجب سؤاله عنه]، وإذا وجد مالكه وهو بعد لا يزال موجوداً غير تالف أعطاه له.
ـ وإذا كان أكثر من ذلك المقدار؟
ـ وجب على الملتقط المبادرة إلى التعريف به والتحري عن مالكه من تاريخ الالتقاط وإلى تمام السنة، وإذا كان الالتقاط في طريق عام أو سوق أو ميدان رئيسي أو نحو ذلك وجب أن يكون التعريف به في أماكن تواجد الناس وتجمعها كالأسواق والمحلات العامة والمجالس وغيرها حيث يتوقع وجود صاحبه هناك. هذا إذا كان للمال علامة.
ـ وإذا لم يعثر على المالك بعد سنة من التعريف والتحري؟
ـ يتخير الملتقط بين أمور ثلاثة: أن يتملك ما التقطه، أو يتصدق به، أو يبقيه أمانة في يده، وإذا عرف صاحبه بعد ذلك ضمنه له [حتى لو كان تالفاً من دون تفريط].
ـ لو كان الشيء الملتقط مجموعة من الدراهم أو الدنانير؟
ـ إذا أمكن معرفة مالكها بسبب بعض خصوصياتها مثل عددها أو زمانها الخاص أو مكانها الخاص وجب التعريف بها.
ـ ولو ادعى مدع أنه مالكها؟
ـ إذا علم صدقه وجب دفعها إليه، وإذا وصفها وكان وصفه مطابقاً للحقيقة فحصل الاطمئنان بصدقه وجب كذلك دفعها إليه.
ـ الاطمئنان، وإذا لم يحصل الاطمئنان بصدقه بل حصل الظن؟
ـ لا يكفي حصول الظن.
ـ كان هذا هو حكم مال ملتقط لم يعرف صاحبه، أما إذا استولى إنسان ما على أموال أو حاجيات أو عقار إنسان آخر ظلماً وعدواناً وغصباً؟
ـ الغصب من كبائر المحرمات، ويعذب الغاصب يوم القيامة بأشد أنواع العذاب فقد قال النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله): (من غصب شبراً من الأرض طوّقه الله من سبع أرضين يوم القيامة).
ويجب على الغاصب رد المغصوب إلى مالكه داراً كان الشيء المغصوب أو نقوداً أو حاجيات أو غير ذلك.
ـ الدار المغصوبة يجب إعادتها لصاحبها؟!
ـ ويجب أيضاً إعطاؤه أجرتها للمدة التي سكنها الغاصب.
ـ لو غصب إنسان أرضاً فغرسها وزرعها؟
ـ على الغاصب إزالة غرسه وزرعه فوراً حتى لو تضرر الغاصب بذلك، بل لو استلزم قلع الغرس والزرع نقصاناً في قيمة الأرض بسبب القطع وجب على الغاصب التعويض بدفع بدل النقصان، كما أن عليه أجرة الأرض فترة الزراعة.
ـ وإذا تلف المغصوب عند الغاصب دون تعمد منه؟
ـ يجب عليه رد عوضه إلى مالكه وعوض منافعه التي استغلها حين الغصب.
ـ وإذا أخذت غصباً سلعة من غاصبها الأول ثم تلفت السلعة؟
ـ يحق لصاحبها مطالبة أيّ من الغاصبين شاء ببدلها، غاصبها الأول أو غاصبها الثاني.
ـ إذا علم المالك بوجود ماله المغصوب عند الغاصب؟
ـ يحق له انتزاعه من يد غاصبه ولو بالقوة.
ـ وإذا وقع في يده مال للغاصب؟
ـ جاز له أخذه بدل ماله المغصوب، إذا كان مساوياً له في القيمة.
ـ وإذا كان مال الغاصب أكثر قيمة من المال المغصوب؟
ـ يجوز لصاحب المال المغصوب أخذ حصة منه مساويه لقيمة ماله المغصوب يستوفي بها حقه.
ـ قبل أن تختم حوارية اليوم اُحب أن أسألك سؤالاً شخصياً؟
ـ تفضل.
ـ كثيراً ما أشاهدك تدفع الصدقة.
ـ نعم، ولكن كيف لاحظتني فأنا حين أتصدق أحاول أن لا يراني أحد، ذلك أن الصدقة المستحبة إذا دفعت سراً كانت أفضل مما لو دفعت جهراً أمام أعين الناس، فقد كان إمامك علي بن الحسين (عليه السلام) يقول: (صدقة السر تطفئ غضب الرب).
ـ وهل يعتبر في الصدقة شيء؟
ـ يعتبر في الصدقة قصد القربة لله تعالى.
ـ وهل لها وقت محدد؟
ـ لا.. ولكن يستحب التبكير بها، فإن التبكير بها يدفع شر ذلك اليوم، ويستحب دفعها في أول الليل كذلك فإن دفعها في أول الليل يدفع شر الليل.
يقول معلى بن خنيس: (خرج أبو عبد الله (عليه السلام) في ليلة قد رشّت السماء، وهو يريد ظلة بني ساعدة فاتبعته فإذا هو قد سقط منه شيء، فقال: بسم الله اللهم رد علينا. قال: فأتيته فسلمت عليه، فقال: أنت معلى؟ قلت: نعم، جعلت فداك، فقال لي: التمس بيدك فما وجدت من شيء فادفعه إليّ، قال: فإذا بخبز منتشر فجعلت أدفع إليه ما وجدت فإذا أنا بجراب من خبز، فقلت: جعلت فداك أحمله عنك، فقال: لا، أنا أولى به منك ولكن امض معي. قال: فأتينا ظلة بني ساعدة فإذا نحن بقوم نيام فجعل يدس الرغيف والرغيفين تحت ثوب كل واحد منهم حتى أتى على آخره، ثم انصرفنا. فقلت: جعلت فداك يعرف هؤلاء الحق؟ فقال: لو عرفوا لواسيناهم بالدقة ـ والدقة هي الملح ـ، إن الله لم يخلق شيئاً إلا وله خازن يخزنه إلا الصدقة فإن الرب تبارك وتعالى يليها بنفسه، وكان أبي إذا تصدق بشيء وضعه في يد السائل ثم ارتده منه وقبلّه وشمّه ثم رده في يد السائل، وذلك إنها تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل.
ـ أفهم من هذه القصة أن للصدقة فضلاً عظيماً؟
ـ نعم، فقد تواترت الروايات في الحث عليها والترغيب فيها. فورد أنها دواء المريض، وبها يدفع البلاء وقد اُبرم إبراماً، وبها يستنزل الرزق، وبها يقضى الدين، وأنها تزيد في المال، وتدفع ميتة السوء والداء، و..و.. إلى أن عدّ سبعين باباً من أبواب السوء تسد بها.
ولكن رغم كل هذا الفضل للصدقة، فإن التوسعة على العيال أفضل من الصدقة على غيرهم، كما أن الصدقة على القريب المحتاج أفضل من الصدقة على غيره، وأفضل منها الصدقة على الرحم المعادي.
ـ على الرحم المعادي؟!
ـ نعم، على الرحم المعادي.
وأفضل من الصدقة القرض. نعم أفضل من الصدقة القرض كما سبق نقل الرواية فيها. والله العالم.