| الفهرست التفصيلي | حوارية الصلاة الأولى |
ها نحن الآن قد وصلنا في حوارنا إلى الصلاة ـ قال أبي ـ، والصلاة ـ كما ورد في الحديث النبوي الشريف ـ عمود الدين أن قبلت قبل ما سواها، وإن ردّت ردّ ما سواها..
إنها ـ أضاف أبي ـ مواعيد لقاءات محددة ثابتة بين الخالق ومخلوقه. رسم الله (سبحانه وتعالى) أوقاتها السعيدة، وطرائقها، وصورها وكيفياتها وأوضحها لعباده.. تقف خلالها بين يديه، متوجهاً إليه بعقلك وقلبك وجوارحك، تحادثه وتناجيه، فيسكب عليك خلال تلك المناجاة صفاءً ذهنياً ونفسياً رائعاً، وشفافية روحية تسبح خلالها بطيب المشافهة؛ وتنعم معها بدفء وعذوبة ووله وسعادة ولذة الوصال والتلاقي، وطبيعي أن تعتريك تلك الرهبة المحببة وأنت تقف بين يدي خالقك العظيم..الرحيم بك، الرؤوف بحالك، السميع البصير.
لقد كان استغراق جدك أمير المؤمنين (عليه السلام) بعبادة ربه وتوجهه إليه بكلّه فرصة مناسبة لاستلال النصال من جسده في معركة صفين، لانشغاله عن معاناة ألم الجسد، بمناجاة ربه.
وكان إمامك زين العابدين (عليه السلام) إذا توضأ للصلاة اصفرّ لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم.
وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته الرعدة، فيجيب من يسأله: أريد أن أقوم بين يدي ربي وأناجيه، فلهذا تأخذني الرعدة.
وكان إمامك الكاظم (عليه السلام) إذا قام إلى الصلاة وخلا بربه بكى واضطربت أعضاؤه، وخفق قلبه خوفاً من الله عز وجل وخشية ووجلاً منه.
ولما أودعه (الرشيد) ظلمة سجنه الرهيب تفرغ لطاعة الله وعبادته. شاكراً ربه على تهيئته هذه الفرصة الجميلة الحبيبة له مخاطباً ربه قائلاً: (رب إني طالما كنت أسألك أن تفرّغني لعبادتك وقد استجبت مني فلك الحمد على ذلك).
والصلاة ـ أردف أبي ـ إبراز حسي ظاهري لحاجة داخلية متأصلة في النفس هي الانتماء لله عز وجل والارتباط بالخالق المكوّن، المسيطر، المالك، المهيمن، فحين تقول (الله اكبر) محدثاً صلاتك فإن مُثل المادة وأنظمتها ونماذجها وأنماطها وزخارفها ستتضاءل في نفسك، وربما تضمحل، لأنك واقف بين يدي خالق الكون المسيطر على مادته المسخر لها بقوة مشيئته، فهو أكبر من كل شيء وبيده كل شيء.
ثم حين تقول ـ وأنت تقرأ سورة الحمد ـ : (إياك نعبد وإياك نستعين) فأنت تغسل نفسك وجسدك من كل أثر للاستعانة بغير الله القادر الحكيم أيّاً كان.
بتلك النكهة المحببة للخشوع تستحم كل يوم خمس مرات صباحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءً، وإن شئت زدت على ذلك بما يستحب لك منها.
ـ معنى هذا أن الصلوات واجبة ومستحبة؟
ـ نعم، فهناك صلوات واجبة وأخرى مستحبة.
ـ الصلوات الواجبة أعرفها.. إنها الصلوات التي نؤديها كل يوم.. إنها صلاة الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء.
ـ ليست هذه فقط هي الصلوات الواجبة، بل هناك صلوات واجبة أخرى غيرها وهي..
1 - صلاة الآيات (انظر حوارية الصلاة الثانية).
2 - صلاة الطواف الواجب في الحج (انظر حوارية الحج).
3 - الصلاة على الميت (انظر حوارية الموت).
4 - الصلاة التي لم يصلّها الرجل الميت فيجب على ورثته الذكور قضاؤها عنه إذا كان هو عازماً على قضائها في فترة حياته (انظر حوارية الصلاة الثانية).
5 - الصلاة التي تجب بالنذر أو اليمين أو غيرهما.
وسأحدثك عن كل منها بعد حين.
ـ إذن ستبدأ حديثك بالصلاة اليومية؟
ـ نعم، غير أن للصلوات اليومية خمس مقدمات هي..
أ ـ وقت الصلاة.
ب ـ القبلة.
ج ـ مكان الصلاة.
د ـ لباس المصلي.
هـ ـ الطهارة في الصلاة.
سأعرض لهن بالتفصيل واحدة واحدة.
ـ ستبدأ إذن بوقت الصلاة؟
ـ نعم، باُولاهن..
1 - وقت الصلاة: لكل من الصلوات اليومية وقت محدد لا يجوز تخطيه، فوقت صلاة الصبح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ووقت صلاة الظهرين (الظهر والعصر) من زوال الشمس إلى غروبها، لكن يختص أول الوقت بصلاة الظهر، وآخره بصلاة العصر.
ـ وكيف أعرف الزوال ـ ذلك الوقت الذي تبدأ به صلاة الظهرين ـ؟
ـ إنه منتصف الوقت بين طلوع الشمس وغروبها.
أما وقت صلاة العشاءين (المغرب والعشاء) فهو من أول غروب الشمس إلى منتصف الليل، لكن يختص أول الوقت بصلاة المغرب، وآخره بصلاة العشاء.
وإذا كنت لم تعرف وقت غروب الشمس فاجعل زوال الحمرة المشرقية علامةً على غروبها.
ـ وما الحمرة المشرقية؟
ـ إنها حمرة في السماء من جهة المشرق في الجهة المقابلة لغروب الشمس تزول بعد غروب الشمس بحوالي (12) دقيقة عادة.
ـ وكيف اُحدد منتصف الليل ـ ذلك الذي ينتهي به وقت صلاة العشاء ـ؟
ـ إنه منتصف الوقت بين غروب الشمس وطلوع الفجر.
ـ وإذا انتصف الليل ولم أتمكن أن اُصلي صلاتي المغرب والعشاء؟ أو نسيت؟
ـ عليك أن تصليهما قبل الفجر من دون أن تقصد أداء الصلاة ولا قضاءها [وكذا إذا تعمدت تأخيرهما إلى نصف الليل] علماً أنه يحرم تأخيرهما إلى منتصف الليل من دون ضرورة.
مع ملاحظة هامة في كل صلاة وهي أن تتأكد من دخول وقت الصلاة قبل البدء بها، سواء أكانت صلاة الفجر أم الظهر والعصر أم المغرب والعشاء.
2 - القبلة: يجب عليك أن تستقبل القبلة وأنت تصلي، والقبلة ـ كما تعرف ـ هي الكعبة الشريفة بمكة المكرمة.
ـ وإذا لم أتمكن من معرفة جهة القبلة؟
ـ صلّ إلى الجهة التي تظن أنها جهة القبلة.
ـ وإن لم أستطع أن اُرجح جهة على أخرى؟
ـ صلّ إلى أية جهة تحتمل أنها جهة القبلة.
ـ وإذا تأكدت أن جهة ما هي جهة القبلة وصليت، ثم عرفت بعد الصلاة أنني كنت على خطأ؟
ـ إذا كان انحرافك عن القبلة ما بين اليمين والشمال صحت صلاتك.. وإذا كان انحرافك أكثر من ذلك أو كانت صلاتك إلى الجهة المعاكسة لجهة القبلة ولم يمض وقت الصلاة بعد، أعد صلاتك؛ وإن انتهى وقت الصلاة فلا إعادة عليك.
3 - مكان المصلي: يجب أن لا يكون مكان صلاتك مغصوباً، ذلك أن الصلاة لا تصحّ في المكان المغصوب مع الالتفات. ويُعدّ من المغصوب ما وجب أن تدفع خمسه أو زكاته ولم تدفع خمسه أو زكاته، بيتاً كان أو فراشاً أو غيرهما. وسأشرح لك بالتفصيل ما يجب فيه الخمس والزكاة في (حواريتي الخمس والزكاة) القادمتين، غير أني اُشير هنا فقط.. ضرورة عدم السقوط في هاوية الغفلة، والتسامح، واللامبالاة تلك التي سقط فيها كثيرون، فعطلوا حداً من حدود الله، ومنعوا حق الله عز وجل في أموالهم.
ـ افترض أن الأرض كانت غير مغصوبة ولكنها مفروشة بفراش مغصوب؟
ـ كذلك لا تصح صلاتك بها على ذلك الفراش مع الالتفات.
أضاف أبي: ثم يجب أن يكون مكان سجودك طاهراً غير نجس.
ـ تقصد بمكان السجود موضع سجود الجبهة؟
ـ نعم، طهارة مكان السجود فقط أي التربة وأشباهها.
ـ وبقية مكان المصلي، موضع الرجلين مثلاً، المكان الذي يحتله بقية الجسد في الصلاة؟
ـ لا يشترط فيه الطهارة، إذا كان يابساً لا تسري النجاسة منه إليك.
ثم إنه بقيت هناك موضوعات تخص مكان المصلي سأحددها لك على شكل نقاط..
أ ـ لا يجوز التقدم في الصلاة على قبور المعصومين (عليهم السلام) بمعنى أن لا تجعل قبر المعصوم (عليه السلام) خلفك.
ب ـ تصح صلاة كل من الرجل والمرأة إذا كانا متحاذيين متجاورين، وعلى مستوى واحد، أو إذا كانت المرأة متقدمة، ولكنه مكروه.
ج ـ تستحب الصلاة في المساجد، وأفضل المساجد المسجد الحرام ثم مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) ثم مسجد الكوفة والمسجد الأقصى. كما تستحب الصلاة في مشاهد الأئمة المعصومين (عليهم السلام).
د ـ من الافضل للمرأة أن تصلي في بيتها.
4 ـ لباس المصلي: وفيه شروط.
أ ـ أن يكون طاهراً.
ب ـ أن يكون مباحاً غير مغصوب ـ مع الالتفات طبعاً ـ.
ج ـ أن لا يكون من أعضاء الميتة النجسة التي تحلها الحياة، كجلد الحيوان المذبوح بطريقة غير شرعية.
ـ والميتة الطاهرة؟
ـ أن كان لها جلد كالأفعى [فلا تصلّ في جلدها وأجزائها] وإن لم يكن لها جلد فلا بأس بالصلاة في أجزائها.
ـ وهل تصح الصلاة في الحزام الجلدي المأخوذ من يد المسلم والمصنوع في بلاد إسلامية مثلاً، وهو غير معلوم التذكية؟
ـ نعم تصح الصلاة فيه، إلا إذا علمت أن المسلم أخذه من الكافر، وأن المسلم لا يبالي بذلك، عندئذٍ لا تصح الصلاة فيه.
ـ والحزام الجلدي المأخوذ من يد الكافر أو المصنوع في بلاد كافرة؟
ـ لا تصح الصلاة فيه.
ـ وإذا لم أتأكد من أن هذا الحزام الجلدي ـ مثلاً ـ مصنوع من جلد طبيعي أو صناعي؟
ـ تجوز الصلاة فيه حتى لو أخذته من يد الكافر، أو استورد أو كان مصنوعاً في بلاد كافرة.
د ـ أن لا يكون لباس المصلي مصنوعاً من الحيوانات التي لا يجوز أكل لحمها، وأن لا يكون شيء من أجزائها (1).
هـ ـ أن لا يكون من الحرير الخالص بالنسبة للرجال، أما النساء فيجوز لهن الصلاة في الحرير الخالص.
و ـ أن لا يكون من الذهب الخالص أو المغشوش بالنسبة للرجال.
ـ ولو كان خاتم يد أو حلقة زواج؟
ـ ولو كان خاتم يد أو حلقة زواج، فإنه لا تصح صلاة الرجل به. كما أنه يحرم التزين بالذهب [ولبسه ولو من دون تزيّن] للرجل دائماً.
ـ حتى في غير وقت الصلاة؟
ـ دائماً..دائماً حتى في غير وقت الصلاة.
ـ والأسنان الذهبية الظاهرة التي تصنع لبعض الرجال، والأوسمة التي يحملها الرجال؟
ـ إذا كانت ظاهرة وزينة لهم فتحرم عليهم وتبطل صلاتهم بها.
ـ إذا كان الرجل لا يعلم أن خاتمه ذهبي وصلى فيه. أو أنه كان يعلم أنه ذهبي ونسي وصلى فيه ثم تذكّر بعد انتهاء الصلاة؟
ـ صلاته صحيحة.
ـ والنساء..؟
ـ يجوز لهن لبس الذهب دائماً وتصح صلاتهن به.
بقيت في لباس المصلي ملاحظة ذات أهمية وهي أنه يجب على الرجل ستر عورته في الصلاة، وهي الاحليل والخصيتان والمخرج فقط.
ويجب على المرأة ستر جميع جسدها في الصلاة بما في ذلك الشعر، حتى لو كانت وحدها ولا يراها أحد، عدا وجهها ـ وحدّه ما بين قصاص الشعر إلى ما تحت الذقن المسامت للرقبة ـ والكفين والقدمين.
هذه هي مقدمات الصلاة، أما الصلاة نفسها فسأقسمها تسهيلاً لك إلى أجزاء عدة، وهي: النية، وتكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع، والسجود، والتشهد، والتسليم.
ـ ولماذا لم تبدأ بالأذان والإقامة؟
ـ الأذان والإقامة في الصلوات اليومية الواجبة من المستحبات المؤكدة التي يحسن أن يأتي بهما المصلي، ولكنه يجوز له تركهما.
أتمنى أن لا تترك الأذان ولا الإقامة في صلواتك الواجبة اليومية فتخسر ثوابهما.
ـ وإذا أردت أن أؤذن فكيف أؤذن؟
ـ تقول..
اللّه أكبر ... أربع مرات
أشهد أن لا إله إلا اللّه ... مرتين
أشهد أن محمداً رسول اللّه ... مرتين
حي على الصلاة ... مرتين
حي على الفلاح ... مرتين
حي على خير العمل ... مرتين
اللّه أكبر ... مرتين
لا إله إلا اللّه ... مرتين
ـ والإقامة؟
ـ في الإقامة تقول:
اللّه أكبر ... مرتين
أشهد أن لا إله إلا اللّه ... مرتين
أشهد أن محمداً رسول الله ... مرتين
حي على الصلاة ... مرتين
حي على الفلاح ... مرتين
حي على خير العمل ... مرتين
قد قامت الصلاة ... مرتين
اللّه أكبر ... مرتين
لا إله إلا اللّه ... مرة واحدة
ـ والشهادة بولاية الإمام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام)؟
ـ إنها مكملة للشهادة بالرسالة ومحببَّة، ولكنها ليست جزءاً من الأذان ولا من الإقامة.
ـ إذاً فأول أجزاء الصلاة هي ما أسميتها أنت بالنية؟
ـ نعم.
ـ وما النية؟
ـ أن تقصد الصلاة تقرباً لله تعالى بحيث يكون دافعك للصلاة هو التقرب إلى الله تعالى لا خوفاً من شخص ولا بهدف أن يمتدحك الآخرون.
ـ وهل للنية لفظ مجرد مخصوص؟
ـ لا، إنها من أعمال القلب لا اللسان، ولذلك فليس لها لفظ محدد ما دام محلها القلب، فتقصد الصلاة تقرباً إلى الله تعالى.
ثانيها: تكبيرة الإحرام.
ـ وكيف اُكبّر تكبيرة الإحرام؟
ـ تقول: اللّهُ أكبر، وأنت واقف على قدميك [مستقر في وقوفك]، متوجهاً إلى القبلة.. تقولها باللغة العربية، موضحاً لدى نطقك بها صوت حرف (الهمزة) في كلمة (أكبر) ولا تقل ( الله وكبر) كما يقرؤها كثير من الناس، [فاصلاً بين تكبيرة الإحرام هذه وبداية سورة الحمد بشيء من الصمت قليل حتى لا تلتصق التكبيرة بأول سورة الحمد].
ـ قلت لي يجب أن تكبرّ وأنت قائم على قدميك، فلو لم أستطع القيام على قدمي لمرض مثلاً فكيف اُكبّر؟
ـ كبّر وأنت جالس، وإن لم تتمكن كذلك كبّر وأنت مضطجع على جانبك الأيمن ووجهك إلى القبلة.
ـ وإن لم أستطع؟
ـ كبّر وأنت مضطجع على جانبك الأيسر ووجهك إلى القبلة.
ـ وإن لم أستطع؟
ـ كبّر وأنت مستلق على قفاك ورجلاك إلى القبلة.
ثالثهاً: القراءة.
وتأتي بعد التكبيرة حيث تقرأ سورة الحمد وسورة كاملة أخرى بعدها، شريطة أن لا تكون من سور العزائم الأربع، قراءة صحيحة دون خطأ، مع ملاحظة أن البسملة جزء من كل سورة تجب قراءتها معها بقصدها المخصوص، فإذا خصصت البسملة لسورة معينة لم يجز لك قراءة غيرها من السور إلا بعد إعادة البسملة لها.
ـ وإذا لم يسعفني الوقت لقراءة السورة الثانية بعد سورة الحمد؟
ـ اترك قراءة السورة واقرأ الحمد وحدها..كذلك تفعل إذا كنت خائفاً، أو إذا كنت مريضاً أو مستعجلاً [يشق عليك قراءة سورة ثانية بعد سورة الحمد].
ـ وكيف أقرأ السورتين؟
ـ يجب على الرجال قراءة السورتين (جهراً) أي بصوت عال لصلوات الصبح والمغرب والعشاء، وقرأتهما بهمس أي بصوت واطئ خفيض لصلاتي الظهر والعصر.
ـ والنساء؟
ـ لا يجب الجهر على النساء.
ـ إذا أخطأت فقرأت السورتين أو بعضهما بصوت واطئ وأنا اُصلي الصبح أو المغرب أو العشاء، أو قرأتهما أو بعضهما بصوت عالٍ وأنا اصُلي الظهر أو العصر، أي عكس المطلوب؟
ـ صلاتك صحيحة.
ـ هذا ما سأقرأه في الركعتين الأولى والثانية، وماذا عن الثالثة والرابعة؟ ماذا اقرأ بهما؟
ـ أنت مخيّر بين أن تقرأ في الركعتين الثالثة والرابعة سورة الحمد وحدها، أو أن تقرأ التسبيحات، بصوت واطئ طبعاً في كلتا الحالتين.
ـ وإذا اخترت التسبيح فماذا أقول فيه؟
ـ يكفيك أن تقول ـ بصوت واطئ ـ (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) مرة واحدة أو ثلاث مرات، وهو أفضل.
ـ وهل هناك ملاحظة أخرى في القراءة؟
ـ احذف همزة الوصل وأنت تسترسل في قراءتك وتنطلق بها، وأظهر همزة القطع بحيث تبدو على لسانك واضحة بيّنة جلية.
ـ مثّل لي همزة الوصل وهمزة القطع.
ـ الهمزة في (الله، الرحمن، الرحيم، اهدنا) مثلاً همزة وصل، لا تظهر على اللسان في النطق أثناء الدرج والانطلاق والاسترسال، بينما همزة (إياك، أنعمت) مثلاً همزة قطع، تظهر على اللسان واضحة جلية أثناء النطق بها .. ثم..
ـ ثم ماذا؟
ـ ثم إذا رغبت أن تقرأ سورة التوحيد بعد سورة الحمد واخترتها من بين السور الأخرى، فمن الأيسر لك والأسهل عليك أن تقف على كلمة (أحدْ) فسكّنها وأنت تقرأ الآية الكريمة: (قل هو اللّه أحد) أي تتريث قليلاً قبل أن تقرأ الآية اللاحقة بها (الله الصمد). ومن أجل أن تضمن صحة قراءتك في صلاتك أنصحك بأن تصلي أمام من يحسن الصلاة ليضبط لك قراءتك وصلاتك، فإن تعسر عليك ذلك فلا أقل من أن تدقق قراءتك للسورتين (سورة الحمد والسورة اللاحقة لها) وفق قراءة أحد المقرئين المعروفين بصحة النطق المهتمين بدقة الضبط، تقرأ مع قراءته السورتين وتتابع على هدي قراءته قراءتك، فستكتشف عندئذ أخطاءك ـ أن وجدت ـ لتصححها.
ذلك أجدى لك من أن تستمر على قراءة خاطئة نشأت عليها منذ الصغر حتى إذا اكتشفت خطأك بعد حين، تكون قد صليت سنوات صلاة غير صحيحة القراءة.
رابعها: الركوع.
وبعد قراءتك للسورتين يجب أن تركع.
ـ وكيف أركع؟
ـ تنحني بمقدار ما تصل أطراف أصابعك إلى ركبتيك، ويحبّذ أن تنحني بحيث تضع باطن كفيّك على ركبتيك، [وحين يستقر بك الركوع] تقول: (سبحان ربي العظيم وبحمده) مرة واحدة، أو تقول ( سبحان الله) ثلاثاً، أو (الله أكبر) ثلاثاً، أو (الحمد لله) ثلاثاً، أو غيرها مما هو بقدرها من ذكر الله. كالتهليل ثلاثاً.
ثم تقوم من ركوعك وتستقيم، حتى إذا استقر بك القيام هويت للسجود.
خامسها: السجود.
ويجب في كل ركعة سجدتان.
ـ وكيف أسجد؟
ـ تضع بعضاً من جبهتك، وكفيك وركبتيك وإبهامي قدميك على الأرض. ويشترط في ما تسجد عليه وتضع عليه جبهتك أن يكون من الأرض أو من نباتها غير المأكول ولا الملبوس.
ـ مثّل لي لما لا يجوز السجود عليه لأنه مأكول أو ملبوس؟
ـ البقول والفواكه لا يجوز السجود عليها لأنها مأكولة، والقطن والكتان لا يجوز السجود عليها لأنها ملبوسة.
ـ على ماذا أسجد مثلاً؟
ـ اسجد على التراب، أو الرمل، أو الحصى، أو الصخر، أو الطين، أو الطابوق، أو الإسمنت، أو الخشب، أو ما لا نأكله من أوراق الشجر.. اسجد على التبن، وغير ما ذكرت كثير. ولا تسجد على الحنطة والشعير والقطن والصوف والقير والزجاج والبلور.
وأفضل ما تسجد عليه التراب، وأفضله (التربة الحسينية).
ـ وإن دخلت المسجد مثلاً فلم أجد ما يصح السجود عليه لعدم توفره مثلاً؟
ـ اسجد على ثيابك [واختر منها ما كان من القطن أو الكتان أن تيسر] وإن لم يتيسر الثوب فاسجد على ظهر كفك.
مع ملاحظة أن يكون موضع سجودك بمستوى موضع وقوفك ومساجدك الاُخرى، فلا يزيد ارتفاع أحدهما عن الآخر أكثر من أربع أصابع مضمومة.
ـ لو وضعت جبهتي وكفي وأصابع قدمي وركبتي على الأرض فماذا أصنع؟
ـ قل [بعد أن يستقر بك السجود]: (سبحان ربي الأعلى وبحمده) مرة واحدة، أو قل: (سبحان الله) ثلاثاً، أو (الله أكبر) ثلاثاً، أو (الحمد لله) ثلاثاً، أو غيرها من الأذكار التي هي بقدرها.
ثم ارفع رأسك حتى تجلس مطمئناً، فإن جلست مطمئناً مستقرّاً فأعد الكرة، واسجد السجدة الثانية واقرأ فيها أحد الأذكار المتقدمة.
ـ وإن لم أتمكن من السجود لمرض مثلاً؟
ـ [حاول الانحناء أقصى ما تستطيع ثم ارفع ما تسجد عليه إلى جبهتك واضعاً جبهتك عليه].
ـ وإن لم أتمكن من ذلك أيضاً؟
ـ أومئ برأسك إلى موضع السجود، وإن لم تتمكن فأومئ بعينيك.
سادسها: التشهد.
ويجب بعد السجدة الثانية من الركعة الثانية في كل صلاة، وفي الركعة الثالثة من صلاة المغرب، وفي الرابعة من صلوات الظهر والعصر والعشاء.
ـ وماذا أقول فيه؟
ـ يكفيك أن تقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد) تقولها بنطق صحيح، وأنت جالس، [مطمئن] في جلوسك.
سابعها: التسليم.
وهو واجب في الركعة الأخيرة من كل صلاة، تقوله بعد التشهد وأنت جالس [مستقر في جلوسك].
ـ وماذا أقول فيه؟
ـ قل: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) أو (السلام عليكم)، ويستحب أن تضيف عليها (ورحمة الله وبركاته)، كما يستحب أن تجمع بينهما. ويستحب أن تقول قبلهما: (السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته).
هذه هي أجزاء الصلاة تؤديها متسلسلة كما عددتها وفصلتها لك متوالية يلي بعضها بعضاً ويمسك بعضها بزمام بعض.
ـ لم تذكر لي القنوت رغم أنك ترفع يديك وتقنت في صلاتك؟
ـ القنوت مستحب في كل صلاة وليس واجباً، فبعد قراءتك للسورتين من ركعتك الثانية وقبل ركوعك ارفع يديك للقنوت إذا أردت أن تفعل المستحب.
ـ وهل له ذكر محدد أقوله؟
ـ لا، يمكنك أن تتلو فيه آية قرآنية تدعو فيها الله سبحانه وتعالى، أو تناجي ربك وتدعوه بأي دعاء شئت.
ـ الآن وقد عرفت منك كيف اُصلي، وماذا أقول أو أفعل في كل جزء من الصلاة، اُحب أن أسألك عما يبطل الصلاة فهل هناك أمور تبطل الصلاة؟ فيجب علي أن اُكرر أعيد صلاتي لو حصلت.
ـ نعم، وسأعددها لك:
1 - أن تفقد الصلاة أحد أجزائها السابقة عمداً من النية أو تكبيرة الإحرام أو الركوع أو السجود أو غيرها.
2 - أن يحدث المصلي أثناء الصلاة مضطراً أم مختاراً (راجع بداية حوارية الجنابة).
3 - أن يلتفت المصلي عن القبلة بتمام جسده عمداً أو سهواً.
ـ والالتفات بالوجه فقط مع بقاء البدن إلى جهة القبلة؟
ـ يبطل الصلاة إذا كان كثيراً بحيث يرى ما خلفه، وكان ذلك عمداً.
4 - أن يضحك المصلي عامداً ولا يضر التبسم إذا كان بلا صوت.
5 - [أن يبكي المصلي لأمر من أمور الدنيا عامداً] ولا يضر جريان الدموع إذا كان بلا صوت كما لا يضر البكاء لأمرٍ من أمور الآخرة.
6 - أن يتكلم المصلي عامداً سواء كان له معنى أم لم يكن أثناء صلاته، باستثناء رد السلام بمثله فإنه واجب.
7 - أن يأكل المصلي أو يشرب أو يصفق أو يخيط أو يحوك أو ما شاكل ذلك بحيث يخلّ عمله بصورة الصلاة وهيئتها.
8 - أن يضع المصلي إحدى يديه على الأخرى عامداً معتبراً ذلك جزء اً من أجزاء الصلاة وهو المسمى بالتكفير.
9 - [أن يقول المصلي عامداً كلمة (آمين) بعد أن ينتهي من قراءة سورة الفاتحة].
ثم عندنا بعد ذلك ما يحسن أن أشير إليه موضوع الشك في الصلاة.
ـ وهل الشك في الصلاة مبطل لها؟
ـ ليس الشك في الصلاة مبطل لها دائماً وفي جميع الحالات، فبعض الشكوك مبطل للصلاة، وبعضها قابل للعلاج، وبعضها لا يعتنى به بل يهمل. وبشكل عام سأحدد لك قواعد عامة تتناول بعض حالات الشك.
القاعدة الأولى: كل من شك في صحة صلاته بعد أن أنهى صلاته اعتبر صلاته صحيحة.
ـ مثلاً؟
ـ إذا شككت بعد أن صليت صلاة الصبح وانتهيت منها هل أنك صليتها ركعتين أو أكثر أو أقل فقل: صلاتي صحيحة.
القاعدة الثانية: كل من شك في صحة جزء من أجزاء صلاته بعد أن أداه اعتبر ذلك الجزء الذي شك فيه صحيحاً وصلاته صحيحة.
ـ مثلاً؟
ـ إذا شككت في صحة قراءتك أو صحة ركوعك أو سجودك بعد أن أنهيت القراءة أو الركوع أو السجود، فقل قراءتي صحيحة، أو ركوعي صحيح، أو سجودي صحيح.. ثم صلاتي بعد ذلك صحيحة.
القاعدة الثالثة: كل من شك في الإتيان بجزء من أجزاء الصلاة بعد أن دخل في الجزء اللاحق به فيعتبر نفسه قد أتى بذلك الجزء المشكوك فيه وصلاته صحيحة.
ـ مثلاً؟
ـ إذا شككت وأنت في السورة الثانية هل أنك قرأت سورة الفاتحة، أو نسيتها فلم تقرأها فقل: (إني قرأتها) واستمر في صلاتك فهي صحيحة.
القاعدة الرابعة: كل من كثر شكه عن الحد الطبيعي يهمل الشك ولا يعتني به ولا يلتفت إليه إذا لم يكن ذلك لسبب طارئ كخوف أو مرض، وصلاته التي شك فيها صحيحة.
ـ مثلاً؟
ـ إذا كنت كثيراً ما تشك ـ وأنت تصلي صلاة الصبح مثلاً ـ في عدد ركعاتها، عليك أن تهمل هذا الشك وتقول: (صلاتي صحيحة) وإذا كنت كثيراً ما تشك في أنك سجدت سجدة واحدة أو سجدتين تقول: إنك سجدت سجدتين ولا تلتفت ولا تهتم بالشك بل تعتبر صلاتك صحيحة، وهكذا.. دائماً كثير الشك في الصلاة يهمل شكه ويعتبر صلاته صحيحة..دائماً.. دائماً.
ـ وكيف أعرف أني كثير الشك؟
ـ كثير الشك يعرف نفسه بسهولة.. يكفي أن يزيد شكه على الناس الطبيعيين من أمثاله، ويكفي أيضاً أن لا يصلي ثلاث صلوات متتالية إلاّ ويشك في كل واحدة منها.
القاعدة الخامسة: كل من شك في عدد ركعات صلاة الصبح، أو صلاة المغرب، وفي الركعتين الأولى والثانية من كل صلاة رباعية، ولم يترجح في ذهنه أحد الاحتمالين على الآخر.. لم يترجح في ذهنه عدد معين للركعات، بل بقي متحيراً شاكاً لا يدري كم ركع فقد بطلت طلاته.
ـ مثلاً؟
ـ إذا شك وهو يصلي صلاة الصبح هل أنه الآن في الركعة الأولى أو الثانية، تأمل قليلاً، وفكر ثم فكر.. وإذا لم يصل إلى قرار محدد ولم يترجح في ذهنه أنها الركعة الأولى مثلاً أو أنها الركعة الثانية فقد بطلت صلاته.
ـ وإذا ترجح في ذهنه أحد الاحتمالين، كأن ترجح في ذهنه إنها الركعة الأولى؟
ـ إذا ترجح في ذهنه عدد معين للركعات عمل وفق ما يقتضيه ذلك الاحتمال الراجح، مثلاً قد يترجح في ذهنه احتمال أنها الركعة الأولى، فيأتي بالركعة الثانية ويتم صلاته فهي صحيحة.
وكذلك الحال في صلاة المغرب، وفي الركعتين الأولى والثانية من كل صلاة رباعية.
ـ عرفت الآن حكم الشاك في صلاتي الصبح والمغرب، وفي الركعتين الاُولى والثانية من صلوات الظهر والعصر والعشاء، ولكن ما هو حكم الشاك في الركعتين الأخيرتين الثالثة والرابعة من الصلوات الرباعية؟
ـ إذا ترجح في ذهنه عدد معين للركعات، عمل بمقتضى ظنه ووفق ما ترجح في ذهنه.
ـ وإذا بقي متحيراً شاكاً متردداً؟
ـ عندئذ ستحتاج إلى تفصيل أكثر فلكل موضع هنا حكمه الخاص به، وسأتناول بعضها بالتعداد ولا أطيل.
1 - من شك بين الركعة الثالثة والرابعة، قال إنها الركعة الرابعة وأتم صلاته، ثم جاء بركعتين من جلوس، أو بركعة من قيام.
2 - من شك بين الركعة الرابعة والخامسة بعد أن أنهى السجدتين، قال إنه في الركعة الرابعة، ثم يتم صلاته ويسجد سجدتي السهو بعد الصلاة.
3 - من شك بين الثانية والثالثة بعد أن أكمل ذكر السجدتين. قال إنه في الركعة الثالثة ويأتي بالرابعة بعدها، ثم بعد أن يفرغ من صلاته [يأتي بركعة من قيام].
ـ وكيف يأتي بركعة من قيام؟
ـ بعد أن ينتهي من صلاته مباشرة ومن دون أن يلتفت يميناً أو شمالاً، ومن دون أن يفعل ما يبطل الصلاة يقوم بصلاة ركعة من قيام، فيكبّر ثم يقرأ الفاتحة بصوت خافت ولا يقرأ بعدها سورة أخرى، ثم يركع ويسجد ويتشهد ويسلّم.
ـ وسجود السهو ذاك الذي ذكرته؟
ـ تنوي وتسجد بعد الصلاة [مباشرة] ومن دون أن تكبّر، ويكفي أن تقول في سجودك: (بسم الله وبالله السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته)، ثم ترفع رأسك من السجود وتجلس ثم تعاود السجود المتقدم مرة ثانية، ثم ترفع رأسك وتجلس [وتتشهد وتسلّم] وبذلك تنهي سجود السهو.
وليكن في اعتبارك أنك تسجد سجود السهو ليس فقط عندما تشك بين الركعة الرابعة والخامسة بعد السجدتين، بل في مواضع اُخرى غيرها،، فحالات وجوب سجود السهو هي..
أ ـ إذا تكلمت في صلاتك سهواً وغفلة، أو تصوّرت أنك خارج الصلاة.
ب ـ إذا تشهدت وسلّمت سهواً في غير موضعهما. [وكذلك إذا زدت التسليم فقط سهواً ـ مثلاً أتيت بالتسليم في غير الركعة الأخيرة ـ فقلت: (السلام عليكم) أو قلت: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)].
ج ـ إذا شككت بين الأربع والخمس بعد السجدتين.
د ـ إذا جئت في حال الجلوس بما يجب أن تأتي به قائماً أو بالعكس سهواً. مثلاً سهوت وقرأت سورة الفاتحة وأنت جالس بدلاً أن تقوم وتقرأها.
هـ ـ إذا سبّحت في الركعتين الأوليين سهواً بدل القراءة. أو قرأت في محل يجب التسبيح فيه، كحال الركوع والسجود.
و ـ إذا علمت بأنك إما زدت أو نقصت في صلاتك من دون أن تبطل.
ز ـ إذا نسيت التشهد الأول في صلاتك، فتسجد سجود السهو بعد إكمال الصلاة وقضاء التشهد.
أما إذا نسيت التشهد الأخير حتى سلّمت، فاقض التشهد بعد السلام [واسجد سجود السهو].
ويفضّل أن تسجد سجدتي السهو لكل زيادة أو نقيصة في الصلاة.
ـ وإذا تكرر مني ما يوجب سجود السهو في صلاتي، كما إذا سهوت مرتين في صلاة واحدة.
ـ كرر سجود السهو بعدد ما يوجبه، أي اسجد مرتين.
كدت بعد أن انتهى بنا الحوار إلى هذا الموضع من الصلاة أطلب من أبي أن يقدم لي درساً تطبيقياً لصلاة رباعية، كونها أطول صلاة يومية واجبة لألاحظ عن كثب وأناة كيف يكبّر أبي ويقرأ ويركع ويسجد ويتشهد ويسلّم، غير أني آثرت أن أتراجع عن طلبي هذا بعد أن تذكرت أنه يصلي كل يوم صلاة العشاء وهي صلاة رباعية جهرية، فقلت في نفسي: إذاً فلأراقبه وهو يصليها.
وحين همّ أبي بأن يبدأ صلاته الرباعية الجهرية تلك كنت مشدود الأعصاب إليه، شديد اليقظة وأنا ألحظ كل شاردة وواردة من حركات صلاته، وسأصف لكم كيف صلى أبي..
بدأ أولاً فأسبغ وضوءه. ووقف في مصلاه مستقبلاً القبلة وهو خاشع فأذّن للصلاة وأقام. ثم بدأ صلاته، فكبّر قائلاً: (الله اكبر)، ثم قرأ سورة الفاتحة وأتبعها بقراءة سورة التوحيد.
ولما أتمها وهو واقف منتصب ركع، ولما استقرّ به الركوع سبّح قائلاً: (سبحان ربي العظيم وبحمده).
وبعد أن انتهى من نطق الحرف الأخير من التسبيح وهو راكع، انتصب مستقيماً واقفاً على قدميه.
ولما استقر به القيام هوى للسجود، وإذ هدأ سبّح قائلاً: (سبحان ربي الأعلى وبحمده)، وبعد أن أتم نطق الحرف الأخير منها وهو ساجد جلس من سجوده، وحين استقرّ به الجلوس هوى للسجدة الثانية فقرأ فيها كما قرأ في اُختها السجدة الاُولى: (سبحان ربي الأعلى وبحمده).
ثم رفع رأسه من سجوده وجلس ليقوم منتصباً على قدميه للركعة الثانية.
وحين استقرّ به القيام قرأ سورة الفاتحة ثم أتبعها هذه المرة بقراءة سورة القدر.
ولما فرغ من قراءتهما رفع يديه للقنوت وقرأ في قنوته الآية القرآنية الكريمة: (ربِّ اغفر لي ولوالديَّ ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تباراً).
ثم أسبل يديه من القنوت وهوى للركوع وحين استقر به الركوع قرأ: (سبحان ربي العظيم وبحمده).
ثم انتصب قائماً يهوي للسجود، وحين سجد قرأ في سجوده: (سبحان ربي الأعلى وبحمده) ثم جلس من سجدته الأولى ليهوي للسجدة الثانية وحين سجد قرأ: (سبحان ربي الأعلى وبحمده)، ثم جلس من سجوده.
ولما استقرّ به الجلوس تشهّد فقرأ: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه، اللهم صل على محمد وآل محمد).
ولما فرغ من تشهده قام منتصباً للركعة الثالثة فبدأها بعد أن استقرّ به القيام بالتسبيح قائلاً: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) ثلاثاً وبصوت واطئ.
ثم هوى للركوع فقرأ فيه كما قرأ في ركوعه السابق: (سبحان ربي العظيم وبحمده).
ثم انتصب قائماً من ركوعه، وهوى للسجود فقرأ فيه كما قرأ سابقاً في سجوده: (سبحان ربي الأعلى وبحمده)، ثم جلس مستقراً ليهوي للسجدة الثانية فيقرأ فيها: (سبحان ربي الأعلى وبحمده) كذلك.
ولما أتمها انتصب قائماً على قدميه للركعة الرابعة والأخيرة، فبدأها كما بدأ سابقتها بالتسبيح قائلاً: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) ثلاثاً.
ثم هوى للركوع قارئاً: (سبحان ربي العظيم وبحمده).
ثم انتصب ليهوي للسجود قارئاً فيه: (سبحان ربي الأعلى وبحمده)، ثم جلس يسجد سجدته الثانية والأخيرة في هذه الصلاة فقرأ فيها ـ كعادته ـ (سبحان ربي الأعلى وبحمده).
ثم جلس مطمئناً ليتشهد قارئاً كما قرأ في تشهده الأول: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد).
ولما أتم تشهده سلّم، ليختتم صلاته فقال: (السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته) (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته). وبه أنهى صلاته.
هكذا صلى أبي صلاة العشاء وكان قد صلى مثلها بالضبط صلاتي الظهر والعصر ـ وهما رباعيتان كذلك ـ غير أنه قرأ السورتين في ركعتيهما الأولى والثانية بصوت واطئ خفيض.
ولقد راقبته وهو يصلي صلاة المغرب فوجدته يصليها كما يصلي العشاء، غير أنه لما انتهى من سجدته الثانية وهو في ركعته الثالثة، جلس ليتشهد ويسلّم ويختم صلاته (لأن صلاة المغرب ثلاث ركعات).
ثم راقبته كذلك وهو يصلي صلاة الصبح فوجدته يصليها كما يصلي صلاة العشاء، غير إنه لما انتهى من سجدته الثانية وهو في ركعته الثانية تشهد وسلّم هذه المرة ليختم صلاته (لأن صلاة الصبح ركعتان).
هكذا صلى أبي صلواته اليومية، غير أني ـ إمعاناً مني في الملاحظة والتثبّت والضبط والدقة ـ سأثبت لكم بعض خصوصيات الصلاة كما صلاّها أبي على شكل نقاط..
1 - كان يحرص حرصاً شديداً على أن يصلي صلاته في أول وقته، فهو يصلي الظهر مثلاً عندما يحين وقت صلاة الظهر (الزوال)، وهو يصلي المغرب في أول وقتها، وهكذا، وحين سألته عن سبب المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، تمثل بحديث للإمام الصادق (عليه السلام) قال فيه: ( فضل الوقت الأول على الأخير كفضل الآخرة على الدنيا).
2 - وكان عندما يقف بين يدي ربه ليصلي تظهر عليه آثار الخشوع والخضوع والتذلل، وكان يردد أحياناً بينه وبين نفسه ـ ولكن بصوت مسموع قبل أن يتوجه إلى مصلاه ـ قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون)، وكأنه يروّض نفسه لها قبل أن يشرع بها فيذكّر قلبه بأهمية الخشوع لله في الصلاة.
3 - وكان قبل أن يصلي صلاة الصبح يصلي ركعتين، ويصلي ثماني ركعات ـ ركعتين ركعتبن كصلاة الصبح ـ قبل صلاة الظهر، وأخرى بقدرها قبل صلاة العصر، ويصلي أربعة ركعات ـ ركعتين ركعتبن كصلاة الصبح ـ بعد صلاة المغرب، ويصلي ركعتين من جلوس بعد صلاة العشاء، وبعد منتصف الليل يصلي ثمان ركعات ثم يتبعها بركعتين ثم بركعة واحدة ويقنت في هذه الركعة قنوتاً طويلاً وهو في حالة بكاءٍ وخشوع.
سألته مرة عن تلك الصلوات فقال إنها (النوافل)؛ تلك التي قال عنها الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): إنها إحدى علامات المؤمن.
4 - ولأن الهمزة في كلمة (أكبر) من جملة (الله أكبر) همزة قطع، فيجب أن تظهر واضحة جلية على لسانك عندما تكبرّ. هكذا قال أبي.
ـ قلت له مرة: أن بعض الناس ينطقون هذه الهمزة شبيهة بالواو كما لو كانت الجملة (الله وكبر).
فقال: حذار أن تنطقها كنطقهم، إنهم مخطئون. وأضاف: وكذلك الحال في همزة (أنعمت) من الآية الكريمة من سورة الفاتحة: (صراط الذين أنعمت عليهم) فهي همزة قطع، ويجب أن تظهر على لسانك واضحة جلية أثناء النطق بها. ومثلها تماماً همزة (الأعلى) من (سبحان ربي الأعلى وبحمده) في السجود فهي همزة قطع ويجب أن تظهر على لسانك واضحة جلية أثناء النطق بها.
5 - وقال لي: حاول أن تقف على حرف الدال من كلمة (أحدْ) وأنت تقرأ الآية القرآنية الشريفة من سورة التوحيد: (قل هو الله أحدْ). ثم تتريث قليلاً قبل أن تردفها بالآية الكريمة التالية لها: (الله الصمد)، ذلك أسهل عليك وأيسر، كما يفضل أن تقرأ كلمة (كفواً) في سورة التوحيد بضم الفاء، كما هي مكتوبة في المصحف الشريف.
6 - سألت أبي مرة: أسمعك حين تقرأ قوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم) تكسر حرف النون من كلمة (الرحمن) وحرف الميم من كلمة (الرحيم)، وتقرأهما كذلك بالكسر عندما تقرأ قوله تعالى: (الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين) من سورة الحمد. بينما أسمع بعض الناس يقرأهما بالضم وهم يصلّون.
كما أسمعك حين تقرأ قوله تعالى من سورة الحمد: (إياك نعبُد) تضم الباء من كلمة (نعبد)، بينما أسمع بعض الناس يكسرونها وهم يصلّون.
فقال: ألم تدرس النحو بعد؟
قلت: درسته.
قال: فما يقول علم النحو في حركة كلمتي (الرحمن الرحيم)؟
قلت: الكسرة كما تقرأ أنت.
قال: هات لي نسخة من القرآن الكريم. فأتيت له بنسخة من كتاب الله كانت قريبة مني.
قال: أخرج سورة الحمد ولاحظها، فأخرجت سورة الحمد فوجدت الكسرة ظاهرة على آخر كلمتي (الرحمن الرحيم)، ووجدت حرف الباء من كلمة (نعبد) من قوله تعالى: (إياك نعبُد) مضمومة لا مكسورة.
قلت: وجدتها كما تقرأها أنت.
قال: اقرأ إذن كما هو محرّك في كتاب الله، وانتبه إلى الأخطاء الشائعة في القراءة كي لا تقع فيها.
7 - وكان لا يبدأ بقراءة الذكر في الركوع أو السجود إلا بعد أن يستقرّ به الركوع أو السجود، ولا يرفع رأسه إلاّ من بعد أن ينتهي من نطق الذكر تماماً وهو راكع أو ساجد.
8 - وكان إذا رفع رأسه في سجدته الأولى تريث قليلاً حتى إذا استقرّ به الجلوس هوى للسجدة الثانية.
9 - سألته مرة أسمعك تدعو لنفسك ولأبويك ولإخوانك المؤمنين بعد الصلاة مباشرة؟
قال: نعم، فقد قال أبو الحسن (عليه السلام): (من دعا لإخوانه من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وكّل اللّه به عن كل مؤمن ملكاً يدعو له).
10 - وسألته: أراك تسبّح بعد كل فريضة؟
قال: إنه تسبيح الزهراء (عليها السلام) علّمها إياه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو: (اللّه أكبر) أربعة وثلاثين مرة، ثم (الحمد لله) ثلاثاً وثلاثين مرة، ثم: (سبحان الله) ثلاثاً وثلاثين مرة، فيكون المجموع مائة تسبيحة.
ـ وهل لتسبيح الزهراء (عليها السلام) فضل؟
ـ نعم، فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) لأبي هارون المكفوف: (يا أبا هارون إنّا نأمر صبياننا بتسبيح الزهراء (عليها السلام) كما نأمرهم بالصلاة فالزمه، فأنه لم يلزمه عبد فيشقى). وقال (عليه السلام): (تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) في كل يوم في دبر كل صلاة أحبّ إليّ من صلاة ألف ركعة في كل يوم).
ولو كان هناك ما هو أفضل منه لعلّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) لمكانتها عنده، كما ورد عن الأئمة (عليهم السلام).
11 - كان أبي أحياناً يصلي صلاة الظهر ثم يتبعها مباشرة بصلاة العصر، أو يصلي صلاة المغرب ويلحقها مباشرة بصلاة العشاء، بينما كان أحياناً أخرى يفصل بين الصلاتين، فيصلي الظهر ثم يتفرغ لبعض شؤونه، حتى إذا حلّ وقت العصر صلّى العصر، وكذلك يفعل مع صلاتي المغرب والعشاء.
وحين سألته عن ذلك أجابني..
ـ أنت مخيّر بين أن تفصل بينهما وأن لا تفصل (2)، وإن كان الفصل بينهما أفضل؟
12 - أسمعك ـ قلت لأبي ـ حين تقرأ سورة القدر تظهر حرف اللام عندما تقرأ قوله تعالى: (إنّا أنزلناه في ليلة القدر) بينما أسمع بعض الناس لا يظهرونه حتى كأن حرف اللام غير موجود، ـ يقرؤونها (أنزنّاه) ـ؟
وأسمعك تقرأ: (سُبحان ربي العظيم وبحمده) فتضم حرف السين في (سُبحان) وتظهر الفتحة في (ربيَ) بينما أسمع بعضهم لا ينطقونها كما تنطق؟
وأسمعك حين تتشهد وتقول: (اللهم صل على محمد) تصمت قليلاً ثمتردفها بعد (وآل محمد) [أو تحرّك وتدغم حين تدرج]، بينما أسمع بعض الناس يدرجون بالساكن فلا يحركون ولا يدغمون؟
ـ ألم أقل لك انتبه لقراءتك.
(1) ولا فرق في ذلك بين ما له نفس سائلة [وما لا نفس سائلة له إذا كان له لحم] [حتى الشعيرات].
(2) وقد جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين الصلاتين من غير عذر ولا سفر. على ما رواه الفريقين.